الاثنين، 29 أبريل 2013

عبث

كثيراً ما نجاول الهروب من القدر و لكنه يتماشى دائماً جنب إلى جنب مع حياتنا اليومية .
إنسان معزول في غرفة حديدية أثيرة يرى العالم من خلال زجاج يعزله عن العالم المحيط و طفل يجر عالمه خلفه ، عالمه كله يتمثل في صندوق القمامة الذي يدور به و يبحث عن رزقه في أكوام القمامة المتراكمة في أنحاء شتى من عالمه الخارجي .
شاب في العشرين من عمره قابع داخل سيارته أمام شاطئ البحر في جو شديد الحرارة . الطبيعة تفرض على الإنسان بعض التضحيات فإذا أراد الإستمتاع بمنظر أشعة الشمس المنعكسة على ماء البحر فعليه تحمل حرارتها و لكن أن تتفاداها بتشغيل مكيف السيارة فهذا خرق صريح لنظام الطبيعة و لكنك سوف تقع دائماً في شرك معين .
يجلس الشاب في سيارته الفارهة يدخن سيجارته بتلذذ و يستمع إلى موسيقي الجاز التي طالما عشقها متفادياً العالم الخارجي و كل ما يشغل باله هو كيفية قضاء اليوم مع حبيبته التي يود لو أستطاع أن يكمل معها حياته في مكان هادئ بعيداً عن الضوضاء و المسئوليات التي تبعده عن الموسيقى لبعض الوقت .
طفل كل ما يشغل باله هو أن يجمع عدد لا بأس به من النفايات البلاستيكية و المعدنية حتي يستطيع بيعها "خردة "  لكي يحصل على ما يأكله ليبقيه على قيد الحياة ليوم أخر .
ينظر الشاب الى ساعته فيدرك أنه قد يتأخر على موعده ، فيشغل محرك السيارة و ينطلق مسرعاً و أثناء إنتظاره في تلك الإشارة يصب لعناته على كل الظروف التي تعيقه عن اللحاق بموعده فيلعن الزحام و الناس و يتمنى أن يفنى كل هؤلاء لينعم بالراحة و السكون الأبدي .
يشعل سيجارة بعد أخري و هو يشعر بالحنق من هذا الزحام الخانق دون العلم بسببه على غير العادة ثم يبدأ بالتقدم بسرعة بطيئة و هو يرى على مرمى البصر الطريق خال تقريباً من السيارات فيدرك إنها حادثة و يصب لعناته على تلك الضحية إن كانت جريح أو قتيل لإعاقته عن موعده و بعد أن يتجاوز مكان الحادثة و يهم بالإنطلاق فإذ بصبي يعبر الطريق من أمامه و هو يجر صندوق قمامة فينظر له شذراً و هو مرغم على التوقف شاعراً بإهانة بالغة مستنكراً على ذلك الصبي الحياة نافياً اّدميته من الأساس و بعد أن يمر الطفل ينطلق مسرعاً .
يصل صديقنا الشاب إلى المطعم المتفق عليه قبل موعده بخمس دقائق و هو راض تماماً عن حرفيته في القيادة التي كانت السبب الوحيد لوصوله ثم يجلس على طاولة منزوية في إنتظار حبيبته .
بعد أن عبر الطفل الشارع أتجه إلى أقرب صندوق قمامة ممنياً نفسه بالخير الوفير و لكن حظه يخونه مع أول صندوق  فما وجد به سوى زجاجتين بلاستكيتين فقط و لكنه يمني نفسه بعد خيبة الأمل أن النهار مازال طويل و هو مازال نشيط لذا فلا بأس عليه .
و هاهي قد وصلت حبيبته فقام لها و قبل يدها بتصنع أوروبي مبتذل و عدل لها موضع المقعد قبل جلوسها و هما ببدئ جذب أطراف الحديف و لكن حظه العسر مازال يلاحقه فما لبث أن جاء النادل ليأخذ طلباتهما فنهره بوقاحة على مجيئه و لعن حظه و لكنه بعد فترة تعدل كل شئ و أخذ الحديث يسير في منحنى رومانسي على أضواء الشموع يتخلله بعض القبلات على إتسحياء .
أما الطفل فيكمل عمله بجد و نشاط فينتقل من كوم لأخر بكل كبرياء و سط نظرات العطف و الإستهجان حتى يمر النهار بكل ما به و هو راض و قانع بكل ما حصل عليه من رزق و كل ما يشغل باله الوجبة التي سوف يحصل عليها مقابل ما جناه اليوم .
و هاقد أنتهي اليوم و صديقنا الشاب أسف على ذلك الوقت الذي مر مسرعاً فتمنيه حبيبته بلقاء قريب بعد أن أستشعرت خيبة أمله ثم يتجها إلى السيارة فيسرع و يفتح لها الباب بنفس الإبتذال المتعارف عليه سابقاً و يبدأ طريق العودة كالطاووس مستعرضاً حرفيته في القيادة الجنونية و هو يفادى أحد المارة فتفلت عجلة القيادة من يده و تنقلب السيارة عدة مرات حتى تصطدم بالرصيف المقابل فيفيق من غفلته و لكنه لا يستطيع تحريك ذراعه ثم ينظر إلى حبيبته فيجدها ساكنة بلا حراك فينادي عليها و يجذبها و لكنها لا تستجيب مطلقاً .
ينظر الطفل إلى الطريق قبل عبوره ليبدأ طريق عودته فإذا به يشاهد تلك الحادثة و يهرع إلى توقيف أحد المارة ليتصل بالإسعاف من هاتفه دون الإستجابة لمطلبه فيحاول مرات عديدة و لا يستجيب له أحد و الجميع يكملون طريقهم و هم فقط ينظرون أسفاً لتلك السيارة و منهم من يلعن السبب في إزدحام الطريق .

الاثنين، 1 أبريل 2013

شتا

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتشاجرا فيها و لم يتوقع هو إنها سوف تصبح النهاية الحتمية لما كان يشكل دوماً الهدف المحوري لحياته . ضياع !! 
إحساسه بالضياع قد طغى على كل ما بداخله في تلك الأحيان و هو يسترجع عقيدته القديمة التي تحتم عليه المضي في رحلة الحياة وحيداً إلى النهاية التي طالما تمناها و هي الموت وحيداً  على شاطئ البحر في جو عاصف ، يتملكه الغضب أحياناً حين يذكر كلماتها " بطل بقى جو الأفلام اللي أنت عايش فيه ده " و لكن سرعان ما يستعيد ضياع الأبدي حين يقرر إستعادة ذكرياته بالمكان الشاهد على تقلبات فصولهما سوياً ، حتى الذكريات أختفت بإختفاء ملامح هذا المكان .
لماذا أختارت أن يكون أخر ما يسمعه منها ضحكة عاهرة ؟
لماذا أصرت على إهانته و إذلاله ؟ ما سبب كل هذا ؟
و تأتي الإجابة بإستهزاء " أنا كده ، لو مش عاجبك أقفل " و هي تعلم جيداً إنه لن يفعل ذلك و يخلد في نوم هانئ . العديد من الأسئلة تجول بخاطره و لكنه يرفض البوح بها حرصاً على تبقى له من كبرياء ، هل مُقدر له أن يموت قهراً ؟
يعود لملاذه الأخير "قبر الأستاذ" و لكنه و للمرة الأولى لا يجيب على تساؤلاته ، يذهب لكفافيس و لكنه يشيح بوجهه عنه بتصنع أوروبي جاف ، فيسلم نفسه للرياح لتفعل به ما تشاء فيجد نفسه و قد غلبه النوم على أحد الأرصفة يباغته حلم بأحد الشخصيات التي أثرت به و لكنه تعود أن يتابعها من خلف الستار ، هل ستجيبه تلك الشخصية على تساؤلاته ؟ 
هل تستطيع تهدئة وطأة الصراع بداخله ؟
ها هي التساؤلات تتزايد و النتيجة واحدة.
لماذا سكنت الموسيقى ! أين صوت الراوي الذي طالما أزعجه ! لماذا يتركه وحيداً الاّن !
أين الشكل الدرامي لحزنه و هو يسحب نفس عميق من سيجارة و يخرجه ببطئ و هو يميل بظهره للخلف ؟
يشعر بالنشوة حين يسأله أحد المقربين إليه " مالك " و يغرق في وصلة طويلة من الضحك الهيستيري إلى أن تترقرق الدموع من عيناه ، تتبدد السماء من فوقه و تتلاشى الأرض من تحت أقدامه و يتعمد الإصطدام بالمارين حوله ليتأكد أن كيانه المادي مازال قائم ، يضحك ، يبكي ، يجري ، ينتشي حتى يغرق في دوامه من المشاعر المتناقضة و يصبح غير قادر على الحركة تماماً . يتحدث بصوت مسموع و هو مطبق الشفتان .
تلك هي كارثة أتباع الجوزاء يتصنعون القوة حتى يصدقوا أنفسهم و لكن مع أول صدمة يكتشفون ضعفهم الأبدي و لكن هل النتيجة الحتمية لذلك هي الموت ؟
أغرق في ضحك متواصل ثانية و أنا أتذكر مقولة توفيق الدقن " لو الكل بقوا فتوات أمال مين اللي هينضرب ! " فأجيب بكل ثقة أنا !
و بعد كل ذلك يبقى السؤال الأعمق بحياتي الاّن . 
هل بعد الصورة السوداء التي تلحق بكلمة النهاية بداية !!
                                   .................................................................................