الأربعاء، 12 فبراير 2014

إعتراف ليلي

لا ! لن نبدأ ثانية ، ليس اليوم على أية حال لديك عمل صباحا ، حان ميعاد نومك .
لا وقت لتلك الأفكار ، الذكريات تثقل ظهرك ، لا تستطيع النوم و لكن ! 
لكن ماذا ! 
سيل المبررات المعتاد رفض أن يغار على الذكريات و يجتاح كمائنها ، فات ميعاد التغاضي و التناسي ، لتكون الليلة . 
الليلة و بعدها لا شئ ، لن أتخلى عن ذكرياتي ، لن أترك مخاوفي وراء ظهري فهي ما تبقيني حيا إلى الان و لكن لتذهب الذكريات إلى مرادها في سلام . تلك الليلة ، هي الليلة الموعودة .
لا سجائر و لا أحد معي ليحضر لي القهوة ، لا شئ يعجبني ، اللعنة ! رحمة الله عليك يا درويش فقد ظلموك حيا و ميتا بل هتكوا عرض أفكارك " بالمصطلح العامي المصري المتداول " .
لنحضر الأوراق و قلم و كأسا مثلجة من المياه .
في البدء لنضع بعض القواعد مثل أفلام "الويسترن" الأمريكية حيث يتلو البطل قواعده بكل ثقة و فوهة مسدسه تمهد طريق الطلقة لجمجمة عدوه اللدود ، قواعدي اليوم كلام مقدس يُتلى من السماء و الجميع ليس أماه خيار سوى الخضوع . الان و ليس في أي وقت أخر سوف تصتف الكلمات كالموج الهادر حين يتخطى جميع الحواجز . 
 أولاً ممنوع منعاً باتاً كيف ، من ، أين ، متى ، لا وقت للأسئلة و لا توجد إجابات ربما تكون ذكرياتي حلقة مفقودة لمتسلسلة طويلة من الأحداث ، ربما تكون إجابات لشخص أخر حائر في بحور الأسئلة تتلاطمه الأمواج ، كثير من الأسئلة ، العديد من الإحتمالات و لكن الإحتمال الأكيد هو أنني هنا لأكتب . 
يبدو أن ولعي بالأدب جعلني أفقد خطوط الرواية من بين يدي ، أنا من لبنان ، لا يهم الإسم أو العمر أو الوظيفة ، ليست ضرورية إطلاقاً ملابسات هذه الواقعة ، الشئ الوحيد المهم هو أن تصدق أنها حدثت بالفعل إذاً هي واقعية !
حتى لا أكون ضبابياً سأخبركم بسبب رفضي الإتيان بأي تفاصيل و سوف تعذروني ، أعلم ذلك ، يجب أن تعذروني فالسن التي كنت بها تجعل ذاكرتي ضبابية حيث أني أتذكر الواقعة جيداً لكني لا أذكر المبررات و الأحداث المؤدية لها .
لنبدأ .....
كان هناك إطلاق رصاص من مكان ما و تطايرت الأعيرة النارية في الجو مصيبة بعضاً مما كان حولي في الحافلة التي كنت أستقلها مع أهلي "ربما" ، كيف لي أن أرى وجوه اّلفتها طوال الطريق تنفجر منها الدماء هكذا بينما يخر الجسد ساقطاً على الأرض ترتفع منه حرارته و لا أية حركة أو إيماءة  تصدر منه . 
كل الوجوه جامدة ، كل الأجسام المتناثرة ثابتة ، أشعر فجأة ببرودة الجو ، تعتريني رعشة من أطراف قدمي إلى رأسي ، رعشة زلزلت ما تبقى مني و رفعت مقدار طاقتي إلى الحد ما بعد الأقصى بمراحل فأخذت أجري ضد إتجاه الريح هارباً من النور خوفاً من الظلام ، أجري و أقفز فوق كل العوائق و العقبات إلى أن أهدني الإعياء و أنسحبت كل قواي رغماً عني ، شعرت بالخذلان و أنا أفقد السيطرة على جميع مفاصلي لأسقط مغشياً علي . 
لم أكن في تلك السن لأهتم بالوقت أو يشغل بالي ، الوضع الإقليمي همي الأكبر كان الذهاب للمتنزه فقط . 
بدأ الظلام الذي كان يحاصرني يتبدد و أستعدت جزء من قواي جعلني أستطيع النهوض لأري مالم أود أو يود أحد غيري أن يراه . 
رجل هده الإعياء في زي عسكري يزحف تجاه جثة ملقاة بجانب ربوة عالية ينظر لها بأسي و الدموع تنهمر منه ثم يُخرج سكين من مغمضه المثبت في حزام وسطه  و عينيه مليئة بالأسى و النهم و الحقد و السكينة و الأمل ليقطع من فخذ الجثة شرايح ليلتهمها ....
فقط 
أسف عجز قلمي عن وصف تلك اللحظة و لكن لك أن تتخيلها .

إمضاء 
كائن "بشري"

الجمعة، 22 نوفمبر 2013

المجذوب

" لنا في النوم حياة " قالها ثم واجه الحائط و تكفن ببطانيته الثقيلة محاولاً التركيز في الإمساك بشبح النوم الذي يطارده فقط من أجل قلب حالته المزاجية رأساً على عقب، ثم أستطرد بعد محاولة يائسة للنوم " الدنيا مسرح كبير و كلنا بنمثل فيها بس دايماً بننسى إن الستارة بتنزل و احنا بنحط دماغنا على المخدة و مش دي المشكلة ، المشكلة إننا لما بنقلع الوش اياه اللي لابسينه بنفتكر إننا كده بنواجه نفسنا ، اللي منعرفوش إننا لابسين كذا وش فوق بعض و اقتنعنا ان ده احنا و مع الوقت جلد وشنا وقع ، داب ، بقينا عبارة عن مسخ بنفسية مشوهة "
الدنيا فعلاً مسرح كبير و لكن من المشاهدين ؟
نجد الله في الصف أول حوله لفيف من الملائكة المقربين خلفهم  الملائكة الأقل أهمية و في أقصى اليمين و اليسار بعد الشياطين الملاعين الذين لا يكفون عن مضايقة الممثلين بهدفهم اخراجهم من الجو العام للمسرحية ، فتارة يتفوهون بالتعليقات السخيفة و تارة يلقون بعد الشماريخ في صخب مذري و وسط كل هذا نجد الله قابع في مكانه ينتظر نهاية المسرحية ليحاسب الممثلين حساب عسير ولا يشغل باله بهولاء الملاعين لإن أمرهم محسوم بالنسبة له من قبل بداية العرض أصلاً ، إذاً ما ذنب الممثلين في كل هذا ! 

صديقنا المجذوب أتعبه الدوران في حلقات مفرغة دون أي فائدة ، أتعبه التندر و إختيار القناع المناسب للمكان المناسب ، أتعبته الموسيقى بأنواعها ، أتعبته العلاقات السريعة و البحث الدائم عن الذات في المكان الخاطئ ، يريد أن يصل لنهاية الطريق و لم يعرف إلى الاّن ما الذي يبحث حقاً عنه .

صديقنا المجذوب أنهكته نظرات الإشفاق الممزوجة بالسخرية من البشر ، أنهكه دور المهرج الباكي . " أنت مش معقد و لا نفسيتك مشوهة زي ما أنت فاكر ، أنت بسيط جداً  ، بسيط لدرجة التعقيد ، السهل الممتنع" .

لم تفلح زيارة اّل البيت و أولياء الله ، لم تفلح مناشداته لزيوس و ايزيس و سيرابيس و بعل و أمون ، لم تفلح استنجاداته بالعذراء ، لم يجد شيئاً الا و فعله ، فأصبح مجذوباً سابح في الملكوت مربوط بحبل خفي بمحور دورانه الذي مهما بعد عنه تعيده الذكرى الى مجاله الحيوي .
هاهو المجذوب يمضي في رحلة عمره كالتائه بين العوالم و الأزمان ، يمضي في طريقه بعيداً عن المسرح قاطعاً علاقته بالممثلين و الأقنعة ، يسير في شارع مظلم بارد محاط بالمبان الأسمنتية بوجهه الممسوخ و رائحة العفن تتسلل داخله لتروي شجرة الحقد التي ترعرعت في نفسيته المشوهة .

سلام عليك أيها المجذوب . 

الاثنين، 26 أغسطس 2013

قرص شمس



ربما أستسلمت جفونه للنوم ، ربما هي مجرد إغفائة .
البعد الزمني ...... ما معنى هذا المصطلح ؟ من الذي أتى به إلى رأسه ؟ الكثير من التساؤلات تحوم في الجو الملبد بالغيوم بالرغم من الحر الشديد ، أهو الفجر أو المغرب ؟
هناك روح من الضبابية تؤثر على الرؤية بشكل ملحوظ .
 صوت همهمة بعيد نابع من مكان قريب .
محاولة جادة للعودة للنوم قد تكون مفيدة في الوقت الحالي ، حلقه جاف جدا ً بالرغم من بروده الجو بالرغم من أنهار العرق المنهالة  من جسمه .
الإستسلام للنوم أسهل بكثير و على كل حال لن يموت من شدة العطش .
يستيقظ بعد فترة لا يستطيع تحديدها ، اللعنة على التكنولوجيا ، هاتفه مغلق بسبب إهماله لشحنه ، لا يوجد ساعة حائط ، كلها أوقات الله .
ربما عليه تجاهل ما يدور في خاطره ، النوم لا يفيد في مثل تلك المواقف .
صديقه "الأنتيم " و حبيبته ؟ كيف ؟ لماذا ؟ متي ؟ أين ؟
يضحك من سخافة الفكرة ثم يستسلم للنوم مجدداً .
مظاهرة حاشدة ، وجوه محتقنة ، غضب متفجر ، على حافة حادث لم يُحمد عقباه على أي حال .
بالروح بالدم نفديك يا كمال ، من كمال ؟ قتله المسيحسيين ؟
إذاً من كمال ؟   بالروح بالدم نفديك يا كمال !
أين أنا ؟
حسناً لنكتفي من هذا السخف إنها مظاهرة في بيروت الغربية  "حينما كان هناك بيروت شرقية و غربية على الخريطة فقط " تشيع كمال جنبلاط زعيم الدروز .
كيف كانوا يريدون أن يفدوه بروحهم و دمائهم بعد أن تم قتله بالفعل ؟
دعونا نتذكر في صمت الثالت من سبتمبر (راجعوا حدث في مثل هذا اليوم و لن تجدوا شيئاً )
بماذا كان يفكر الله حينما خلق الذباب ؟ أليس هو المُطلع ؟ كيف لم يعرف إنه سوف يوقظنه من النوم ثانيةً و هو في أشد الحاجة إليه .
قليلاً من الحر لا يقتل ، دعوه يتكفن بغطاءه لعله يستطيع النوم .
الهاتف يرن ، يقوم مسرعاً ليرد ، لا أحد يرد .
يحاول النوم ثانية و عندما يغيب وعيه للحظة يتذكر أن الهاتف لا يعمل " فاصل شحن" !!
يحاول تشغيل الهاتف ليتأكد من حقيقة إنه من المستحيل أن يرن .
الهاتف مغلق تلك حقيقة ، النور قاطع ، حقيقة أخرى ، الهاتف لن يرن من الأساس .
أكان حلم أو وهم أو طيف أو خدعة من أحد الملاعين الصغار ؟
أبليس أخطأ و طُرد من الجنة ؟ لماذا طردت ذريته معه ؟ أليس من الإنصاف أن يأخذ هذا الشيطان الصغير فرصته في العيش بشرف و تحديد مصيره يوم الحساب ؟
ربما لا يوجد ذرية من الأساس ، أين أبليسة التي أنجبت كل تلك الأباليس الصغيرة ؟
لا تعبث بالأمور الميتافيزيقية , تلك هي القاعدة الأساسية ؟
ينتهي الأمر دائماً بصداع مزمن يمتد لأيام
لنعد ترتيب أفكارنا معاً ، بدأت الحكاية ببعد زمني .
لا إنها ليست البداية ، إنه مجرد تعريف مجهول بين زخم الحياة .
الهمهمة تعلو " قلب الحياة مليان حاجات تفرح "
ما مدى العمق في هذه الجملة ؟ إنه تشبيه ركيك يتبادله بعض المثقفين على إنه أعظم من إكتشاف سر الذرة ، من البديهي أن بالحياة ما هو يُسعد و ما هو يُحزن ، مجرد مرتفعات و منخفضات ، شهيق و زفير .
لا مفر من النوم في تلك الليلة الطويلة ، حنجرته كالحجر الملقى على أعتاب جهنم منذ قرون لكنه لن يموت من الظمأ على أي حال .
أنهار العرق تنهمر من جسده الضخم  بالرغم من برودة الجو الملحوظة  ، يُتابع نقطة عرق تنهمر من منبت شعره أعلى جبهته ، تتحرك في بطء إلى جفونه و تدور مع إستدارة جفنه و هو يظن نفسه نيوتن سوف يكتشف سر الجاذبية مع سقوط تلك النقطة ، اللعنة على نيوتن و قوانينه ، فتلك النقطة الملعونة تبدأ في التسارع نحو الجانب الأغلظ من جفونه لتنطلق في سرعة مخيفة إلى أنفه و تتأهب لمفارقة أنفه إلى السرير مثل أقرانها و بالفعل تسقط و عند ملامسة السرير تحدث صوتاً عالياً فينظر لها بتمحص ، الضبابية مازالت مسيطرة على كل شئ حوله . تعلو الهمهمة فجأة و يصبح الصوت جهوراً "مش حضرتك تدخل جوا في التكييف أحسن من الحر ده يا أستاذ أيمن "
و ينصرف .

الجمعة، 21 يونيو 2013

مع القهوة

عندما يتحول فنجان القهوة لمجرد عادة ، تستيقظ عادة صباحاً ثم تترنح للمطبخ لتصنع قهوتك بنفسك فتضع المقادير كيفما تفضلها و تضعها على نار هادئة و كل الأشياء مشوشة بسبب عدم إكتمال استيقاظك ، فتركز نفسك على القهوة حتى لا تسهو عنها و رأسك تترنح يميناً و يساراً حتى ترفعها من على النار في الوقت المناسب و تصبها في فنجانك المفضل بهدوء ثم ترفعها الى أنفك لتستنشقها بتأمل و تعود الى غرفتك بها و تشغل موسيقى صاخبة و لكن بايقاع بطئ لتعبر عن حياتك الصاخبة ذات الايقاع الممل و ترددها بداخلك "مفيش جديد" .
عادة يختلف مذاق القهوة من مقهى للاخر اعتماداً على جودة البن أو مقدار السكر المتناسب مع حجم الفنجان ، قهوتي مضبوطة و هي الشئ الوحيد المضبوط في حياتي و لكن في كل مقهى لها مذاق مختلف تماماً عن المقهى الأخر بالرغم من كوني أكرر نفس الجملة بنفس الابتسامة المصطنعة " قهوة تركي مضبوط لو سمحت "  ربما هو الدليل الوحيد على القدر .....
الوحدة .... هي أن تحدث فنجان قهوتك و تشكره مع كل رشفة لبقاءه معك
الألم ..... حينما تفرغ من الفنجان و يتوجب عليك القيام بما مفروض عليك
الأمل .... أن يظل مذاق و رائحة القهوة يسيطران على حواسك
الواقع .... أنه مجرد فنجان و فرغ
الفراغ ... أن تحاول تقرأ فنجانك عبثاً
الطموح ... أن يعيدك الفنجان الثاني الى نفس حالة الاسترخاء
 أحاول عبثاً ان أدرك هل كان حلم أم مجرد خاطرة وردت على ذهني ، الفرق ليس بكبير ، النتيجة سهلة ، أعمالك مؤجلة ، أوانك قد فات ، أصبحت تصرخ و لكن دون أن تستطيع سماع صوتك .
كيف تطلب من الأخرين سماع صراخك الذي لم تعد قادراً على سماعه !
سأظل صامتاً ، فالصمت أفضل وسيلة
سأحدث القهوة .....


الاثنين، 29 أبريل 2013

عبث

كثيراً ما نجاول الهروب من القدر و لكنه يتماشى دائماً جنب إلى جنب مع حياتنا اليومية .
إنسان معزول في غرفة حديدية أثيرة يرى العالم من خلال زجاج يعزله عن العالم المحيط و طفل يجر عالمه خلفه ، عالمه كله يتمثل في صندوق القمامة الذي يدور به و يبحث عن رزقه في أكوام القمامة المتراكمة في أنحاء شتى من عالمه الخارجي .
شاب في العشرين من عمره قابع داخل سيارته أمام شاطئ البحر في جو شديد الحرارة . الطبيعة تفرض على الإنسان بعض التضحيات فإذا أراد الإستمتاع بمنظر أشعة الشمس المنعكسة على ماء البحر فعليه تحمل حرارتها و لكن أن تتفاداها بتشغيل مكيف السيارة فهذا خرق صريح لنظام الطبيعة و لكنك سوف تقع دائماً في شرك معين .
يجلس الشاب في سيارته الفارهة يدخن سيجارته بتلذذ و يستمع إلى موسيقي الجاز التي طالما عشقها متفادياً العالم الخارجي و كل ما يشغل باله هو كيفية قضاء اليوم مع حبيبته التي يود لو أستطاع أن يكمل معها حياته في مكان هادئ بعيداً عن الضوضاء و المسئوليات التي تبعده عن الموسيقى لبعض الوقت .
طفل كل ما يشغل باله هو أن يجمع عدد لا بأس به من النفايات البلاستيكية و المعدنية حتي يستطيع بيعها "خردة "  لكي يحصل على ما يأكله ليبقيه على قيد الحياة ليوم أخر .
ينظر الشاب الى ساعته فيدرك أنه قد يتأخر على موعده ، فيشغل محرك السيارة و ينطلق مسرعاً و أثناء إنتظاره في تلك الإشارة يصب لعناته على كل الظروف التي تعيقه عن اللحاق بموعده فيلعن الزحام و الناس و يتمنى أن يفنى كل هؤلاء لينعم بالراحة و السكون الأبدي .
يشعل سيجارة بعد أخري و هو يشعر بالحنق من هذا الزحام الخانق دون العلم بسببه على غير العادة ثم يبدأ بالتقدم بسرعة بطيئة و هو يرى على مرمى البصر الطريق خال تقريباً من السيارات فيدرك إنها حادثة و يصب لعناته على تلك الضحية إن كانت جريح أو قتيل لإعاقته عن موعده و بعد أن يتجاوز مكان الحادثة و يهم بالإنطلاق فإذ بصبي يعبر الطريق من أمامه و هو يجر صندوق قمامة فينظر له شذراً و هو مرغم على التوقف شاعراً بإهانة بالغة مستنكراً على ذلك الصبي الحياة نافياً اّدميته من الأساس و بعد أن يمر الطفل ينطلق مسرعاً .
يصل صديقنا الشاب إلى المطعم المتفق عليه قبل موعده بخمس دقائق و هو راض تماماً عن حرفيته في القيادة التي كانت السبب الوحيد لوصوله ثم يجلس على طاولة منزوية في إنتظار حبيبته .
بعد أن عبر الطفل الشارع أتجه إلى أقرب صندوق قمامة ممنياً نفسه بالخير الوفير و لكن حظه يخونه مع أول صندوق  فما وجد به سوى زجاجتين بلاستكيتين فقط و لكنه يمني نفسه بعد خيبة الأمل أن النهار مازال طويل و هو مازال نشيط لذا فلا بأس عليه .
و هاهي قد وصلت حبيبته فقام لها و قبل يدها بتصنع أوروبي مبتذل و عدل لها موضع المقعد قبل جلوسها و هما ببدئ جذب أطراف الحديف و لكن حظه العسر مازال يلاحقه فما لبث أن جاء النادل ليأخذ طلباتهما فنهره بوقاحة على مجيئه و لعن حظه و لكنه بعد فترة تعدل كل شئ و أخذ الحديث يسير في منحنى رومانسي على أضواء الشموع يتخلله بعض القبلات على إتسحياء .
أما الطفل فيكمل عمله بجد و نشاط فينتقل من كوم لأخر بكل كبرياء و سط نظرات العطف و الإستهجان حتى يمر النهار بكل ما به و هو راض و قانع بكل ما حصل عليه من رزق و كل ما يشغل باله الوجبة التي سوف يحصل عليها مقابل ما جناه اليوم .
و هاقد أنتهي اليوم و صديقنا الشاب أسف على ذلك الوقت الذي مر مسرعاً فتمنيه حبيبته بلقاء قريب بعد أن أستشعرت خيبة أمله ثم يتجها إلى السيارة فيسرع و يفتح لها الباب بنفس الإبتذال المتعارف عليه سابقاً و يبدأ طريق العودة كالطاووس مستعرضاً حرفيته في القيادة الجنونية و هو يفادى أحد المارة فتفلت عجلة القيادة من يده و تنقلب السيارة عدة مرات حتى تصطدم بالرصيف المقابل فيفيق من غفلته و لكنه لا يستطيع تحريك ذراعه ثم ينظر إلى حبيبته فيجدها ساكنة بلا حراك فينادي عليها و يجذبها و لكنها لا تستجيب مطلقاً .
ينظر الطفل إلى الطريق قبل عبوره ليبدأ طريق عودته فإذا به يشاهد تلك الحادثة و يهرع إلى توقيف أحد المارة ليتصل بالإسعاف من هاتفه دون الإستجابة لمطلبه فيحاول مرات عديدة و لا يستجيب له أحد و الجميع يكملون طريقهم و هم فقط ينظرون أسفاً لتلك السيارة و منهم من يلعن السبب في إزدحام الطريق .

الاثنين، 1 أبريل 2013

شتا

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتشاجرا فيها و لم يتوقع هو إنها سوف تصبح النهاية الحتمية لما كان يشكل دوماً الهدف المحوري لحياته . ضياع !! 
إحساسه بالضياع قد طغى على كل ما بداخله في تلك الأحيان و هو يسترجع عقيدته القديمة التي تحتم عليه المضي في رحلة الحياة وحيداً إلى النهاية التي طالما تمناها و هي الموت وحيداً  على شاطئ البحر في جو عاصف ، يتملكه الغضب أحياناً حين يذكر كلماتها " بطل بقى جو الأفلام اللي أنت عايش فيه ده " و لكن سرعان ما يستعيد ضياع الأبدي حين يقرر إستعادة ذكرياته بالمكان الشاهد على تقلبات فصولهما سوياً ، حتى الذكريات أختفت بإختفاء ملامح هذا المكان .
لماذا أختارت أن يكون أخر ما يسمعه منها ضحكة عاهرة ؟
لماذا أصرت على إهانته و إذلاله ؟ ما سبب كل هذا ؟
و تأتي الإجابة بإستهزاء " أنا كده ، لو مش عاجبك أقفل " و هي تعلم جيداً إنه لن يفعل ذلك و يخلد في نوم هانئ . العديد من الأسئلة تجول بخاطره و لكنه يرفض البوح بها حرصاً على تبقى له من كبرياء ، هل مُقدر له أن يموت قهراً ؟
يعود لملاذه الأخير "قبر الأستاذ" و لكنه و للمرة الأولى لا يجيب على تساؤلاته ، يذهب لكفافيس و لكنه يشيح بوجهه عنه بتصنع أوروبي جاف ، فيسلم نفسه للرياح لتفعل به ما تشاء فيجد نفسه و قد غلبه النوم على أحد الأرصفة يباغته حلم بأحد الشخصيات التي أثرت به و لكنه تعود أن يتابعها من خلف الستار ، هل ستجيبه تلك الشخصية على تساؤلاته ؟ 
هل تستطيع تهدئة وطأة الصراع بداخله ؟
ها هي التساؤلات تتزايد و النتيجة واحدة.
لماذا سكنت الموسيقى ! أين صوت الراوي الذي طالما أزعجه ! لماذا يتركه وحيداً الاّن !
أين الشكل الدرامي لحزنه و هو يسحب نفس عميق من سيجارة و يخرجه ببطئ و هو يميل بظهره للخلف ؟
يشعر بالنشوة حين يسأله أحد المقربين إليه " مالك " و يغرق في وصلة طويلة من الضحك الهيستيري إلى أن تترقرق الدموع من عيناه ، تتبدد السماء من فوقه و تتلاشى الأرض من تحت أقدامه و يتعمد الإصطدام بالمارين حوله ليتأكد أن كيانه المادي مازال قائم ، يضحك ، يبكي ، يجري ، ينتشي حتى يغرق في دوامه من المشاعر المتناقضة و يصبح غير قادر على الحركة تماماً . يتحدث بصوت مسموع و هو مطبق الشفتان .
تلك هي كارثة أتباع الجوزاء يتصنعون القوة حتى يصدقوا أنفسهم و لكن مع أول صدمة يكتشفون ضعفهم الأبدي و لكن هل النتيجة الحتمية لذلك هي الموت ؟
أغرق في ضحك متواصل ثانية و أنا أتذكر مقولة توفيق الدقن " لو الكل بقوا فتوات أمال مين اللي هينضرب ! " فأجيب بكل ثقة أنا !
و بعد كل ذلك يبقى السؤال الأعمق بحياتي الاّن . 
هل بعد الصورة السوداء التي تلحق بكلمة النهاية بداية !!
                                   .................................................................................

الخميس، 7 مارس 2013

يوم نفاد السولار

صوت الهاتف يتردد في الحجرة عالياً و أنا راقد في قبري المؤقت ، أتمني أن يكون هذا إتصال و ليس ثوت المنبه .
الصوت يتردد ثانياً و ثالثاً 
sharia don't like it ..... rock the casbah 
وجدت مالا يحمد عقباه ، إنه صوت المنبه و علي الاّن أن أقوم بأصعب حركة في تاريخ البشرية و هي أن أنحي البطانية جانباً و أسلم قدمي لبرودة الأرض .
بعد القيام ببعض الأشياء الإعتيادية قررت النزول من البيت و حقيبتي على ظهري و في أذني السماعات التي أعتدت أن تفصلني عن هذا الواقع القمئ . نظرت لسيارتي القابعة في سكون و بعد الإقتراب منها قررت التغاضي عنها و إدخار ما تبقى بها من وقود لوقت الحاجة فلا أحد يعلم ما تخبئه الأيام القادمة و عرجت على الشارع الرئيسي لأستقل أي مواصلة تنقلني إلى كليتي في سلام . الشارع ممتلئ بالمارة بالرغم من خلوة من السيارات . أنظر إلى ساعتي فأجدها تشير إلى التاسعة و الربع صباحاً ، كيف هذا !!! 
المارة معظمهم من طلبة المدارس و الموظفين جميعهم ينتظرون مواصلة تنقلهم لأشغالهم في صبر و إحتقان .
سألت أحد المارة "في إيه " . فإذا به يجيب بإحتقان " أم الإخوان على أم اليوم اللي حكمونا فيه يا جدع " 
لقد أحتدمت أزمة السولار في البلاد و لا يوجد مواصلات فقررت أن أحافظ على ما تبقى لي من كرامة و أترجل إلى الكلية و أنا أستنشق هواء البحر ، أعددت ما هو لازم للرحلة زجاجو مياه معندية حصل عليها التاجر من السوق السوداء و علبة مياه غازية .
تكرر نفس المشهد على الكورنيش ، الشارع الخالي تقريباً من السيارات و الكثير من المنتظرين ينظرون للشارع في صبر و نظرة عينيهم منكسرة .
أستبد بي الغضب و أنا أتقدم في الطريق و ألاحظ إزدياد أعداد المنتظرين كإنه يوم الحشر ، كل إنسان ينتظر مصيره المحتوم فهذا وكيل وزارة -هيئته توحي بذلك - في الخمسينات من عمره يرتدي بذلة رمادية قد أهلكتها الأيام و قميص أبيض أصفر من فعل الزمان ، نظرته للطريق توحي بالغضب و الذل ، أحسست إنه يلعن الزمن الذي فعل فيه ذلك فقد كان يوماً يحلم بتغيير العالم و لكنه الاّن مثل الكلب على الطريق و تلك إمرأة قد أستبد بها التعب فقررت خلع حذائها و الجلوس على الرصيف و على الكرسي المقابل إمرأة ثلاثينية ترتدي عبائة سوداء قررت أن تسلم شهوتها المكبوتة لمراهق لم يتجاوز العشرين من عمره في وضح النهار أمام الجميع و هو يعبث بجسدها و تأهواتها مسموعة للجميع كأنها تواجههم بعبوديتهم ، كدت أصرخ بهم " لماذا رضيتم بالمهانة و الإستهانة هكذا ، أفعلوا شيئاً تستردون به كرامتكم يا عبيد " و لكنهم ألقوا بسيوفهم و رماحهم على جانب الطريق و ذبحوا أحصنتهم لإطعام الصغار .
على جانب الطريق يقف رجل بسيارته الخاصو ليعرض على رجل مسن أن يوصله إلى وجهته و لكن الرجل بالرغم من سنه قرر أن يحافظ على ما تبقى له من كرامة بالإعتذار مبتسماً و في نظرته حسرة على حاله من جانب و على ضياع الفرصة من جانب أخر ، فكرر السائق عرضه على العديد من المنتظرين حتى قبل أحدهم عرضه ثم الثاني فالثالث فالرابع و أنطلق بالسيارة مسرعاً . بعض الأطفال في زيهم المدرسي قد نال منهم التعب و فقدوا الأمل في الوصول لمدرستهم فأخذوا يصبوا اللعنات بصوت مسموع على البلد و الزمان و أهلهم و الناس أجمعين و وصلت لعناتهم إلى الخالق الذى لقى بهم في هذه البلاد وسط إستنكار من جميع السامعين و لكن كيف يردعونهم بعد أن ضاعت كرامتهم !
فجأة أجد نفسي أمام ميكروباص يقف أمامي و به مكان فارغ فقط  و جميع من به ينظرون إلي بإستغراب و أنا أنظر خلفي فأجد كل المنتظرين ينظرون إلي كأنهم يشجعوني على الركوب ، رضخت للأمر الواقع و ركبت و كان كل منهم يحثني على المضي في طريقي و يُحملني أمانة أن أستكمل طريقي و أفعل ما أنا مخلوق لأجله .
يتردد الصوت عالياً في أذني و أنا أكتب تلك الكلمات " نحوهم ، حاسبوهم ، حاكموهم "
و يبقى السؤال الوجودي .......... حلوة النهضة !!!
أقسم بحق كل من رأيتهم أني لن أترك قلمي مهما حييت و لن أنسى نظرة تلك المرأة التي أستبدت بها الشهوة و هي تنظر إلي لتقول لا تلومني فلست أنا العاهرة .