السابعة صباحا ، ميعاد الاستيقاظ الاعتيادي ليوسف ، صوت المنبه يعلو تدريجيا ، أعتدل يوسف و اطفأ المنبه ثم أسند ظهره الي الوسادة و أخذت أصابعه تتحسس دون وعي مكان علبة السجائر الملقاة في مكان ما علي التسريحة الملاصقة للسرير ، انه اليوم في أمس الحاجة لدفعة كبيرة من الدخان لتملأ رئتيه و تغطي علي ضبابية مستقبله و لكن أصابعه لامست شئ مجهول بالنسبة له مما جعله يفتح عينيه في كسل شديد ليري ما هذا الشئ ، انه خاتم خطوبته الذي تعهد أمام سارة أنه لن يخلعه من أصبعه مهما صار في هذا العالم و لكنه خلعه !
هذا ليس وقته في كل الأحوال .
أشعل يوسف سيجارة و قفز من سريره الي الطاولة المقابلة حيث تقبع رفيقة حياته زجاجة الفودكا فملأ كأسه ثم ذهب للتلفاز ليري الأخبار كعادته كل صباح قبل الاتجاه لعمله في احدي المستشفيات الخاصة بالاسكندرية .
وسط الظلام الدامس ينير ضوء التلفاز و يتنقل يوسف بين قنوات الأخبار .
يسقط يسقط حكم العسكر ، الشعب يريد تطبيق شرع الله ، تحية لجيش مصر العظيم الذي حمى الثورة، اسلامية اسلامية ، لو عايزنها سوريا هنخليها ليبيا .
لا شئ جديد الأخبار المعتادة لكل يوم ، يطفي يوسف التلفاز و يشغل اغنية بحب الرواق و يذهب ليأخذ حمامه الصباحي قبل الاتجاه لعمله .
***************************
بعد مرور عشر دقائق علي بداية 2011
بعد ركن السيارة صف ثان يهرع يوسف الي الكنيسة ليلحق بسارة و هي في طريقها خارج الكنيسة بعد انتهاء القداس الذي لم يلحق به كعادته .
البذلة الكلاسيكية السوداء تقيض حركته و تمنعه من الاندفاع للامام حتي ينقذ نفسه من سيل التوبيخ الذي حتما سيتلقاه و لكن اذ فجأة بقوة خفية تدفعه للخلف و تلقيه علي ظهره ، بين لحظات من انعدام التوازن الفكري من هول المفاجأة يري يوسف أعداد لا نهائية من البشر تهرع من جميع الاتجاهات في الطريق الذي كان من المفترض أن يهرع به منذ قليل و يسمع شخص يقول بأعلي صوته كأنه يريد أن يسمع السماء " ألحقوا المسلمين فجروا الكنيسة " .
يتذكر سارة و يجري بين الاّلاف المحتشدين و يصارع الي أن يصل لباب الكنيسة فيري صورة يسوع الذي بشر بالسلام غارقة بالدماء .
هل صلب المسيح ثانية ؟ هل كتب علي رسالة ابن الرب التي تبشر بالحب و السلام للعالم أن يضرب بها عرض الحائط علي مر العصور ؟
" زي ما فجروا الكنيسة هنفجر الجامع و دم بدم "
و بين كل هذا الصخب يبحث يوسف عن سارة بين الأشلاء المنتشرة علي الأسفلت و بين الحين و الأخر يتعثر في قدم أو يد أحد المصلين أو بمعني أصح الذين كانوا مصلين من ربع ساعة تقريبا .
ها هو كوب سارة الذي أخبرته أنها سوف تكسره بعد القداس لتبدأ عامها الجديد بكوب جديد و أمال جديدة و أهداف جديدة .
أين سارة ؟ سؤال يستحق الاجابة و الاجابة عند والدتها التي يحاول المسعفون عبثا انقاذ حياتها و لكن سرعان ما فارقت الحياة من هول الواقعة .
الكوب هو الشئ الوحيد المتبقي من سارة ، سارة في كل مكان ، سارة عبارة عن الدم الذي غطي جدران الكنيسة ، سارة عبارة عن الأشلاء التي تعثر بها منذ قليل ، حتي نظرة الوداع قد حرمه القدر منها .
سارة الوجه المبتسم باستمرار أصبحت لاشئ .
هي سارة راحت الكنيسة ليه !! ايه اللي وداها هناك ؟
البذلة الكلاسيكية السوداء أصبحت ملطخة بالدماء ، نظر يوسف الي دماء البشر حوله ثم جري الي سيارته و ركنها عند منزله بعد قيادة هيستيرية كادت أن تودي بحياته عدة مرات .
مصعد العمارة معطل كالعادة ، صعد علي الدرج مهرولا الي شقته دون أدني احساس بالمسافة ثم أتجه مباشرة الي غرفة نومه و سقط في نوم عميق .
يوم ، اثنان ، ثلاثة ، الزمن لا يهم
جرس الهاتف يرن بطريقة هيستيرية ، الدقات لا تنقطع علي الباب ، مئات الرسائل الاليكترونية ، لما كل هذا الصخب !!
انه الثالث من يناير ، يتدفق سيل الذكريات علي رأس يوسف الصدفة التي جمعته بسارة ، عينيها الحالمتين الساحرتين ، بالرغم من ما بها من اصرار لبلوغ ما وراء المستحيل ، ينظر الي زجاجة الفودكا و يهم الي ملأ كأسه و لكن سيل الذكريات يمنعه من ذلك و يتذكر اعتراضها الدائم علي ما كانت تسميه ادمان الخمور ثم تعصف به الذكريات في دوامة الحنين للماضي الي ان تتوقف به عند نبرة صوتها الواثقة و هي تقول " قدامك حل من اثنين ملهمش ثالث، أما تتصلب زي المسيح في عز شبابك أو تعيش زي يهوذا ، فكر و اختار "
يملأ يوسف كأسه مبعدا كل الذكريات عن رأسه ، ما حصل حصل فليفكر في المستقبل و لينزع ذلك الخاتم من يده و ينزع معه سارة من عقله و قلبه و يشعل سيجارته و اذ تقع عينيه من بين سحابات الدخان الصاعدة الي السماء محطمة كل أحلامه و أماله صورة العذراء مريم .
هكلكمك بصراحة بقي علشان انا اتخنقت يا أم النور يا حنينة علي الغلابة ، ياللي بتباركي شعبك و بتطلعي في السما تطمنيهم ، أنا عمري ما صدقتك و شوية الحب اللي كانوا في قلبي ليكي راحوا مع سارة ، أنا بكرهك ، ايوه بكرهك ، تقدري تقوليلي محميتيش سارة لييه ! ليه حرمتيني منها ! دي كانت بتحبك و علي طول بتولعلك شمع ، أنتي كنتي نور حياتها ، ايه الذنب اللي هي عملته علشان تموت بالطريقة دي ؟ أنتي كنتي فين ؟ سبتي اللي نصروا ابنك يموتوا لييه ؟ و لا أنتي متقدريش تحميهم ، أقولك كنتي من باب أولي حميتي ابنك بدل ما تحمي سارة . انتي بتضحكي يه ؟؟ مبسوطة أن سارة ماتت ! مطمنة أنك في أمان !
أصلا انتي ايه لازمتك في العالم ، امشي من قدامي بقي مش عايز اشوفك تاني ، يلا امشي بره بقي .
و يقذف صورة العذراء بكأس الفودكا فتسقط الصورة علي الأرض غارقة في بالخمر و لكنها تظل مبتسمة و محافظة علي ملامح الطمأنية الي أن تشعر بالذعر و تبدأ بالبكاء و تتساقط من عينيها قطرات الدموع دما .
قرر يوسف الخروج من عزلته و الذهاب الي المستشفي لتقديم الاستقالة . قابل الشمس بوجه لم يذق طعم النور لاسبوع تقريبا و تفوح منه مزيج من الروائح المختلفة ، رائحة السجائر ممتزجة مع رائحة العرق ، و لكن رائحة الخمر التي تفوح من فمه تغطي علي كل تلك الروائح النتنة المنبعثة منه لدرجة ان المار في الشارع علي بعد مائة متر يستطيع تمييز رائحة الفودكا المنبعثة منه .
لأول مرة يري العاملين بالمستشفي يوسف بهذه الحالة الرثة لطالما تعودوا عليه بذقنه الحليق يوميا و برفانه المميز و ملابسه المهندمة و ابتسامته الودودة التي يسلم بها علي كل من يقابله في طريقه الي غرفته .
اذا به اليوم يهرع الي مكتب مدير المستشفي شخصيا دون سابق انذار و يستعثر علي الدرج و يجد من يساعده علي النهوض ثانيا الي أن وصل الي مكتب المدير فضرب الباب بقدمه غير عابئ بكلام السكرتيرة و أقتحم اجتماع المدير برؤساء الأقسام مرددا جملة واحدة "أنا عايز أسيب الشغل " .
يحاول المدير السيطرة علي الأجواء بابتسامة مصطنعو منه و يطلب من يوسف الجلوس و لكن يوسف يرفض بامتعاض و يكرر "عايز أسيب الشغل "
اذا بالمدير يطلب من الحاضرين الانصراف و يأمر السكرتيرة باغلاق باب مكتبه و تركهم بمفردهم ثم يتوجه بالحديث الي يوسف متوددا
" أنا مقدر كويس اللي أنت بتمر بيه و أنت أكيد عارف كويس أني بعتبرك ابني ، بس ده مش مبرر أبدا أنك تقتحم مكتبي سكران و في الحالة دي ، يا أخي خاف علي منظرك قدام زمايلك ، الممرضات أو حتي المرضي بتوعك ، يقاطعه يوسف " أنا عايز أسيب الشغل "
هعملك اللي انت ععايزه بس دلوقتي تروح البيت و تفضل قاعد لحد ما اعصابك تهدي و أنا هعتمدلك اجازة 6 شهور و أطمن مكانك هيفضل موجود "
ثم يصحبه الباب المكتب و يعود يوسف الي منزله لينام و يستسقظ ليدخن و يشرب ثم يسقط صريعا للذكريات .
يوم كباقي الأيم ، أستيقظ يوسف من نومه ليجد الزجاجة التي بجانب السرير فارغة فأضطر للنهوض متكاسلا لاحضار أخري من المطبخ و اذا به يمر من أمام التلفاز و يدفعه شئ داخلي للتوقف و تشغيل التلفاز لمعرفة ما هي اخر التطورات كما كان يفعل في زمان
أنقضي .
عاجل : مئات الالاف من المتظاهرين يصلون لميدان التحرير مطالبون باسقاط النظام .
عاجل: اصابات طفيفة بين المتظاهرين أثر مواجهات بين المتظاهرين و قوات الأمن .
عاجل : استطاعت القوات الأمنية السيطرة علي بعض الخارجين علي القانون المسئولين عن أعمال الشغب في ميدان التحرير .
عاجل : ألقت القوات الأمنية الفبض علي جاسوس اسرائيلي مندس في ميدان التحرير .
عاجل : كل من في التحرير من أصحاب الأجندات الخارجية .
نقلا عن التليفزيون المصري :
ما يحدث في ميدان التحرير عبارة عن طبل و زمر و أعمال شغب و خمور و مخدرات و علاقات جنسية كاملة بين الشباب و الشابات .
هل هذا تأثير الفودكا ؟ هل أسرفت في الشراب الي هذا الحد ! يحدث يوسف نفسه في ذهول تام الي ان وصل لسريره و استغرق في نوم عميق .
الهاتف يرن ، أخيرا لقد صمت لأعود الي نومي ، انه يرن ثانية ، صوت هذا الهاتف اللعين لن يتوقف في هذا اليوم الأسود
" الشعب يريد اسقاط الرئيس" ، "يسقط يسقط حسني مبارك" .
- الو ، مين معايا ؟
- أنا مصطفي يا يوسف ، يلا أنزل أنا مستنيك
- مصطفي ! أنا مش سامعك كويس ، أنت فين يا ابني ؟
- أنا تحت بيتك ، في المظاهرة اللي تحت بيتك يلا أنزل
- مظاهرة ؟ مظاهرة ايه ، أنا سامع دوشة تحت البيت بس مش عارف في ايه !
- يا عم أنت سكران عالصبح ، يلا أنزل
- أنسي ، أنا أصلا مش فاكر امته اخر مرة نزلت الشارع .
- اه ، طيب ، بص أعمل حسابك أني هعدي عليك بالليل .
- خلاص ماشي ، يلا سلام .
- سلام .
ما الذي يحدث ؟ منذ متي و مصطفي رفيق الكأس يفقه شئ بالسياسة بل و يسير بالمظاهرات ؟ علاقتي بمصطفي امتدت لأكثر من عشرة أعوام ، أعرف كل تفصيلة من تفاصيل حياته ، اهتماماته دائما تنحصر في معاشرة الخادمات و البائعات و شرب الويسكي الذي طالما كرهته و تدخين السجائر الكوبية .
أذكر تلك المرة حينما كنا بالجامعة و ضبطه والده يعاشر زوجة البواب في منزل العائلة و طرده من البيت و جاء ليسكن معي بضعة أيام حتي يجد طريقة ليعود بها للمنزل ثانية و أذكر أيضا أن ما عكر صفوه أن زوجة البواب كانت "مرة لوز العنب" علي خد تعبيره و أنه قد دفع لها نصف مصروفه الشهري و لكن دون جدوي .
مصطفي بقي سياسي و أنا هفضل قاعد هنا مع حبيبة قلبي .
أشربك منين يا قطة ؟؟
طرقات متواصلة علي الباب و صوت ينادي " أفتح يا يوسف أنا عارف أنك جوه ، أفتح بدل ما أكسر الباب و ننزل ندور علي نجار " و بين الطرقات المستمرة و الصيحات المتكررة يفتح يوسف الباب ليجد مصطفي أمامه و هناك ضمادة أعلي حاجبه فيسلم عليه و يدخلان الي حجرة المعيشة
- ايه يا ابني الزريبة اللي أنت عايش فيها دي ، من امته و أنت بتسيب شقتك كده !
- أقعد و أنت ساكت مش عايز أسمع أي كلام ، أحضرلك كاس معايا ؟
- لا يا عم أنا بطلت و بعدين تعالي هنا ، ايه اللي أنت عملته في المستشفي ده ؟
- استني استني بطلت ايه بالظبط ؟
- بطلت أشرب و ايه اللي فيها ؟
- أحه !! و ده من امته ، ده حتي رمضان كنت بتشرب فيه .
- من أسبوع تقريبا .
- هات سيجارة ، أسبوع و ده من ايه ؟
- البلد فيها ثورة .
- ههههههه ، ثورة !! ثورة ميين !!
- أنت مش متابع و لا ايه ، مش هنسيب الميدان غير لما الرئيس يمشي .
- خخخخخخخخخخ رئيس ميين اللي يمشي ، أنت عبيط و لا سكران و لا ظروف أهلك ايه عالمسا !!
- طيب و رحمة سارة لييطرد طردة الكلاب .
ينظر اليه يوسف بنظرة جامدة ، طوال الفترة الماضية و هو يشرب لينسي سارة و يجئ هذا الكائن بهذه البساطة ليذكره بها .
- أنت بتجيب سيرة سارة ليه دلوقتي ، مش أنتم اللي قتلتوها !!
- احنا !! احنا ميين ؟
- المسلمين
- المسلمين ، أنت أهبل ما تشغل دماغ دين أمك شوية ، هو ده أول قداس يتعمل في الكنيسة ! و بعدين المسلمين هيفجروا الكنيسة ليه ! ايه مدي الاستفادة اللي هتعود عليهم ؟
- عايز تقول ايه ؟
- فكر شوية و فوق من السطلة اللي أنت فيها و أنت تفهم . اه علي فكرة السطلة دي مش بسبب الفودكا ، دي سطلة واحد مش قادر يواجه الواقع .
- خخخخخخ و ايه هو الواقع بروح أمك ؟
- الواقع أن الخنزير الكبير كلب الأمريكان هو الوحيد اللي ليه مصلحة يوقع بيننا ، فكر كويس .
و هم مصطفي بالنهوض
- علي فين ؟
- علي الاعتصام ، أنا بايت هناك و علي فكرة أنا مستنيك هناك علشان هروح بكره التحرير .
- طيب و فين الاعتصام ؟
- عند القائد ابراهيم ، قولي أنك هتيجي ؟
- موعدكش بس هشوف .
- لو فعلا كنت بتحب سارة هتيجي تاخد حقها من اللي قتلوها ، خلص الكلام .
تمر الأيام بلا جديد يذكر يستيقظ يوسف من نومه ليثمل و يدخن و ينام ثانية و مرت الأيام علي هذا المنوال الي أن سمع في يوم و هو جالس مع رفيقته صخب في الشارع و الصخب يتزايد مع مرور الوقت .
هل هناك مباراة هامة للمنتخب الوطني ؟
هل توزع الحكومة الحشيش مجانا علي أفراد الشعب ؟
قرر تشغيل التلفاز بعد مخاصمة طويلة و اذا به يسمع شئ غريب جعل تأثير الفودكا يتبخر من رأسه .
" قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن السلطة و تكليف المجلس الأعلي للقوات المسلحة بادارة شئون البلاد و الله الموفق و المستعان "
ايه ده دي كانت ثورة بجد بقي !!
ده الرئيس مشي !!
أنا مش فاهم حاجة !!
أعلنت النيابة العامة أن المتهم الأول في أحداث كنيسة القديسين بالاسكندرية ليلة رأس السنة هو وزير الداخلية الأسبق .
يجلس يوسف في ذهول تام و يشعل سيجارة و يشعل معها حياته من جديد . مصطفي كان صح ، مصطفي كان عنده حق ، أنا لازم أكلمه حالا !!
و تتوالي الأيام و تتوالي معها الأحداث ، الثورة مستمرة ، المظاهرات مستمرة ، المسيرات مازالت تجوب الشوارع و الغريب في الأمر أنها تبدأ دائما سلمية و تنتهي بقتيل أو اثنين علي يد القوات الأمنية و عدد لا حصر له من الاصابات و الاعتقالات و بين كل تلك الأحداث يوسف قابع في منزله بين ضباب الدخان يرتقب الاتي و لا يأتي و يتابع كل شئ عبر شاشة التلفاز و كأنه من عالم أخر .
مع مرور الوقت يعود يوسف لحياته الطبيعية و يبدأ في الانتظام في عمله مع الحفاظ علي عزلته التامة عن الأحداث الجارية و توطيد علاقته بالفودكا بعد مواعيد العمل الرسمية .