الثلاثاء، 3 يوليو 2012

اتنين

مطار هامبورج الدولي
تهبط الاّن الطائرة القادمة من ميلان .
دقائق الانتظار تطول ، عقارب الساعة خاملة لا تطيق الحركة ، نبضات القلب المتلاحة تسبق عقارب الساعة .
اه لو تحل نبضات القلب محل عقارب الساعة !!
يشعل يوسف سيجارته ليبدد دقائق الانتظار المميتة و لكنه يتذكر أن التدخين محرم في الأماكن العامة ، تبا لهذه القوانيين اللعينة .
انه لوقت طويل كأنه عالم أخر و عصر أنقضي ، عشر سنوات منذ أخر لقاء بيننا و خمس و عشرون عاما منذ أخر تجمع لثلاثتنا في اسكندرية الجميلة ، كيف أصبحت ؟ ما سبب هذه الزيارة المفاجئة ؟ أينعم هي زيارة مفاجئة و لكني كنت أتوقعها .
في أخر الممر تظهر سارة مع شابة من المفترض أن تكون ابنتها ، لم تتغير كثيرا مازالت تحتفظ برونقها و بسمتها الرائعة تزيين وجهها و أيضا تحتفظ بطريقة مشيها التي طالما عشقتها فهي تذكرني بجين كيلي ، عندما كنا بالاسكندرية كنت مؤمن ايمان تام اني اذا فتحت رأسها سوف أجد فيروز تغني أخر ايام الصيفية و فيلم فرنسي رومانسي كلاسيكي .
ها هي تقترب مني مصافحة : يوسف أزيك .
يوسف : أزيك ، وحشاني أوي ،مر وقت كتير
سارة مقاطعة : المهم احنا هنا ، نسيت أعرفك ، صاحبتي الجميلة ريتا بنتي .
يوسف : طبعا عرفتها ، عندها نفس عيونك . ريتا أنتي مرتبطة ؟؟
ريتا مستغربة : لاء مش مرتبطة ، ليه ؟
سارة : أنت يا واد يا اسكندراني مش ناوي تعقل !!
يوسف : و أعقل ليه ؟ لو كنت عاقل كان زماني ميت من زمان .
ثم أستقلوا جميعا السيارة و ذهبوا لمنزل يوسف .
تنظر سارة حولها فتري سورة زفاف يوسف فيقول لها معاتبا : فاكرة اليوم ده ؟
سارة : معرفش ازاي محضرتوش بس أكيد كان يوم عظيم .
يوسف غامزا بعينه : مش أوي يعني ، سيبك أنتي أحلي ما فيه بلقيس .
سارة باسمة : هي جميلة أوي أصلا ، هي فين ؟
يوسف : كالعادة في المستشفي مصممة تشتغل دكتورة طوارئ مش قادر أفهم ليه !
سارة : حلو ده أوي ، حبيت فيها ايمانها باللي هي بتعمله .
يوسف : بيني و بينك بحبها بس متحاوليش تقوليلها .
سارة : عشرين سنة و متعرفش أنك بتحبها ؟
يوسف : لاء هي عارفة ، بس أنا فكري أعرج شوية .
سارة : كل واحد فكره أعرج بطريقته .
يوسف : أهو عاصي وصل ، فاكراه !!
سارة : طبعا ، بقي شبهك أوي أصلا .
عاصي : سارة ، أزيك .
يوسف : طنط سارة .
عاصي بنظرة معاتبة : هو أنا جايب الأباحة من حد غريب . ريتا ، وحشتيني أوي .
سارة : أنت عرفت ريتا ؟
عاصي : مش أتقابلنا مرة زمان !
يوسف : واضح أنك متفاجئتش ، في حاجة أنا معرفهاش ؟
عاصي : احم ، بعيدن، أنت ازاي مقدمتلهمش حاجة يشربوها لحد دلوقتي ، أنت منوفي و لا ايه !
يوسف : أتلم يا منيل ، أنا صايع قديم .
هات سيجارة
عاصي : أول مرة أشوف أب يخلص لابنه السجاير .
يوسف : اخلص بدل ما اقول لامك انك بتدخن .
عاصي : لا يا عم الله الغني ، خد سيجارة أحسن .
سارة : عاصي ، بتدرس ايه دلوقتي ؟
عاصي : بعد معاناة مع المهندس يوسف و الدكتورة بلقيس قدرت أخيرا أقنعهم أني أدرس مزيكا علشان أعمل أوبرا عربي .
سارة : الله ، حلو ده ، بس استني هو يسوف مكنش موافق؟
عاصي : لاء هو يوسف كان مرحب جدا بس مكنش عايز يعلن ده تفاديا للطوفان .
يوسف : بلقيس فعلا طيبة جدا بس احنا مصممين نعاملها علي أنها الطوفان الاعظم .
صحيح عندي سؤال رخم أوي ، أي رياح طيبة هلت بك علينا ؟
سارة : متتوقعش أني جاية أزورك ، ريتا عندها بكره عرض باليه هنا و لو قلت مش فاضي هقتلك .
ريتا : أنا هروح اشوف المسرح علشان العرض .
يوسف : ممكن تاخدي عاصي معاكي هو ولد مؤدب .
عاصي : تصدق كده أزعل أوي ، أنت ناوي تسوء سمعتي و لا ايه !
سارة مشيرة الي عاصي : يوسف ابنك ده صح ؟
يوسف : بيقولوا !!
عاصي محدثا ريتا : يلا بينا يا بنتي لو فضلنا قاعدين مع العواجيز دول هنكبر عشرين سنة .
ريتا : عيب ، ده حتي يوسف لطيف خالص .
ثم خرج عاصي و ريتا الي السيارة و انطلقا الي المسرح في وسط المدينة ، شغلت ريتا مسجل السيارة فأنطلق صوت فيروز يحجب الغيوم عن الطريق
" بدي أرجع بوقف معكم ، اذا مش بكره لبعده أكيد ، أنتوا احكولي و انا بسمعكم حتي لولا الصوت بعيد"

في حجرة المكتب
يوسف : أحضرلك كاس معايا ؟
سارة : أنت عارف من زمان أني مبشربش ، ايه نسيت !!
يوسف : لاء فاكر بس بعزم عزومة مراكبية .
سارة ضاحكة : عارف ، مقدرش اوصفلك مدي سعادتي ، لما لقيت روايتك مارية مترجمة للايطالي .
يوسف متسائلا : مارية !!
سارة : فكرتني بأيام حلوة .
يوسف : فكرتيني بالمأساة ، أنا رجعت اسكندرية ، قررت أنا و بلقيس نعرف عاصي بلاده ، قعدنا أسبوعين في بيروت و أسبوعين في اسكندرية ، مأساة بكل المقاييس .
أشعل يوسف سيجارته و ذهب الي المسجل و شغله فأنطلق صوت فيروز يملأ المكان حنين .
" أحكيلي أحكيلي عن بلدي أحكيلي ، عن أهلي حكاية ، عن بيتي حكاية ، عن جار الطفولة حكاية طويلة "
يوسف : أنتي بتعملي ايه في حياتك حاليا ؟
سارة : مفيش جديد ، أي مكان فيه حرب بروحه ، فلسطين ، سوريا ، لبنان ، بأستغرب جدا من العالم ، هو ليه الانسان بيجري دايما ورا  الدم ؟؟
يوسف : و ايه الجديد في كده ، أتغيرنا و كبرنا .
سارة : أتكلم عن نفسك ، مفكرتش ترجع اسكندرية تاني ، تعيش فيها علي طول ؟
يوسف : فكرت كتير بس حاليا مش هقدر الحالة الرثة اللي اسكندرية وصلتلها تخليني أموت بحسرتي علي اسكندرية اللي بموت فيها .
ثم شرب مقدار كبير من كأسه و أسترخي في مجلسه و أستطرد كلامه : اسكندرية مش مجرد مدينة بحبها أو حتي مكان أثر فيا أوي ، اسكندرية كرة في عقلي و قلبي ، زي نسمة الهوا اللطيفة اللي بتلمس وشك و انتي واقفة بعربيتك في اشارة مرور في عز الحر ، نسمة الهوا دي بتخليكي مبسوط و أحيانا بتنسيكي كل همومك ، بس بمجرد ما تمشي خلاص بتنسي البسمة و ترجعي تاني لهمومك و الميزة الوحيدة أن لما النسمة تيجي في بالك تاتقي البسمة بتترسم علي وشك لا اراديا .
سارة : لسه عندك المقدرة أنك تخليني أسكت ، فعلا مازلت بتبهرني .
يوسف : صحيح ، بتكلمي أدهم ؟
سارة : طبعا ، اخر مكالمة كانت من شهر تقريبا ، لسه عنده أمل في مصر ، فعلا فخورة أوي أنه صاحبي ، لسه مؤمن بمبادئه الثورية ، اتعرض عليه مناصب كتير بس كالعادة بيرفض .
يوسف : أنا لسه مكلمه امبارح ، بيشتكي من ولاده ، هناء ثورية اوي زيه و مصيبته الكبيرة ان حاتم عايز يسيب هندسة و يدرس اعلام .
سارة : ما شابه أباه فما ظلم .
وصلت بلقيس للبيت و دخلت تلقائيا الي حجرة المكتب بعد سماع حديث جاري بالداخل .
بلقيس : أنتي سارة صح ، صدقيني بجد أنا حاسة أني اعرفك كويس أوي انتي و أدهم . مش عايزة أقولك أنتم فعلا حديث الصباح و المساء .
سارة مصافحة : بلقيس أزيك ، فعلا مبسوطة أوي أني قابلتك .
بلقيس : طبعا بتتكلموا عن اسكندرية صح ؟
سارة : أكيد ، بس ممكن نتكلم عن بيروت عادي .
بلقيس مبتسمة : لاء احنا ممكن نروح بيروت .
يوسف مغنيا : ع بيروت ودوني و ع بناتها دلوني و لو مرة قبل ما أموت أسهر ليلة ببيروت .
بلقيس : أتلم أحسنلك .
يوسف : صحيح ، هو أنا قلتلك بحبك قبل كده ؟
بلقيس : لاء ، بس أنا متأكدة من حاجة زي دي مش أنت الانسان اللي يعيش مع واحدة عشرين سنة لمجرد انها أم ابنه .
يوسف : أم أعظم حاجة حصلت في حياتي .
ثم اتجه بحديثة لسارة : ما تيجي نكلم أدهم و نروح كلنا بيروت ؟
سارة : متهيألي احنا كبرنا علي الجنان .
بلقيس : أتكلمي عن نفسك ، احنا لسه عيال ضايعة .
سارة ضاحكة : طيب ما نطب علي ادهم في اسكندرية و نروح كلنا من هناك .
يوسف : أنا موافق جدا بس علي شرط ، ننزل في فندق سيسل .
سارة : وافق المجلس .
بلقيس : وبالاجماع .
و ضحك الجميع و أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث حول الذكريات و الأحداث الجارية و صوت القديسة فيروز علي ألحان زياد .

عاصي : تصدقي لو قلتلك أني مكنتش متخيل أني هشوفك تاني ، عشر سنين بتجمعنا تليفونات شات تويتر ، بصراحة كنت راضي جدا أن حبك فكرة ، مجرد فكرة و هتكبر في خيالي .
ريتا : كنت تقدر تيجي ايطاليا ، ساعة بالقطر و تخلي الفكرة واقع بس أنت مش جدع أو معندكش الجرأة الكافية .
عاصي محولا دفة الحديث : قوليلي أنتي أتعلمتي تتكلمي مصري كويس كده فين ؟
ريتا : لما تبقي سارة مامتك هتعرف اجابة السؤال ده و أنت ؟
عاصي: نفس ذات الاجابة كمان أنا بحكي لبناني منيح .
ريتا : عن جد ، أنا ديما كنت ببحث عن حدا احكي معه باللبناني .
عاصي : أنا هون ، ايش بدك نخليها حقيقة هالحين ؟
ريتا معترضة : أنت لسه هتسأل!
لثمت شفتاه في قبلة طويلة
عاصي : و ده معناه ايه ؟
ريتا : هي ليها عندك كام معني ؟
عاصي : ده بجد ؟
ريتا : محتاج أبوسك تاني يا بارد علشان تصدق !
عاصي معترضا : كومبارس أنا بقي في حكايتك ، نروح نقولهم ؟
ريتا : هيشنقونا يعني !
عاصي : نرجع اسكندرية ؟
ريتا : مش ملاحظ أن أسئلتك كتيرة أوي و أنك فعلا بايخ ؟
عاصي : بحبك !
ريتا : متأخرة بس مش أوي .
فأحتضنها عاصي ثم هرعا الي السيارة .

" و اتذكرتك يا عليا و اتذكرت عيونك يخربيت عيونك يا عليا شو حلويين "
سارة !! يوسف !! سارة !! يوسف !!
عاصي و ريتا مناديا و هما يجريان نحو حجرة المكتب .
عاصي : ماما ، كويس أنك هنا ، تعالي أقعدي علي الكنبة .
بلقيس : مالك و مين دي !!
سارة : دي ريتا بنتي .
بلقيس : ريتا أزيك ، أعذريني معرفش ازاي معرفتكيش لوحدي .
عاصي مقاطعا : مش وقتك خالص ، يوسف أقعد جنبهم .
يوسف : عملتوا ايه !!
عاصي : قدامكم كلكم ، أنا بوست ريتا علشان بحبها .
ريتا مقاطعة : لاء ، أنا مسمحش ، أنا اللي بوسته .
يوسف محدثا سارة : كلميني عن نفسك أكتر !
سارة : و بعدين !
ريتا : خلاص ، هو قال كل حاجة و احنا قررنا .
يوسف : أيوه ، قررتوا ايه ؟
ريتا : متهيألي مع كامل احترام للجميع ، بس دي حاجة متخصكوش .
بلقيس : ربيت و لقيت ، اتنين مجانين فعلا .
سارة : طبعا مش هنتدخل في قراركم بس من حقنا نعرف .
عاصي مقتربا من سارة و مغنيا :
                                              هنروح يا حلوة لاسكندرية

                                                   تمت 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق