السبت، 30 يونيو 2012

سلم التطرف 2

و كعادته يستيقظ من نومه أو من غيبوبة الثمول التي يقع بها دائما من الافراط في الفودكا و يشغل التلفاز ليري الأحداث الجارية التي تتغير و تتطور كل ساعة للأسوأو اذا به يشاهد مسيرة من الأقباط تتجه الي ماسبيرو للتنديد بحرق كنيسة الماريناب بالصعيد !!
هل حرق المسلمون كنيسة أخري ؟ لماذا يفعلون هذا ؟
أنا لا أفهم شئ علي الاطلاق !!
و اذا به يري فيديو لرجل سلفي علي أحد مواقع التواصل الاجتماعي يقول فيه " ميبقاش فينا راجل لو سبنا مسيحي عايش في امبابة "
لماذا كل هذا الحقد ؟ ما الذنب الذي اقترفناه لننل هذا الجزاء الأثيم ؟
ثم يعود لمتتابعة المسيرة مباشرة علي التلفاز .
الشرطة العسطرية تهاجم المسيرة لتفريق المتظاهرين ، المتظاهرين الذين يطالبون فقط بحقهم في الصلاة في مكان أمن ، يتعدي التعامل الأمني حدود تفريق المسيرة بالقوة الي حد التعامل الوحشي مع المتظاهرين و دهسهم بالمدرعات و اطلاق الرصاص الحي عليهم ، عدد لا يحصي من القتلي و جثث مشوهة من اثار مرور المدرعات عليها .
هل الصلاة في مكان أمن حق لا يجوز المطالبة به ؟
هل الحرية تعني حرق الكنائس و هدمها ؟
ما حدث لسارة كان البداية و ليس النهاية ، انها بداية القضاء علينا ، محارق هتلر سوف تملأ بنا ، سوف نرفع علي الصلبان ثانية ، عصر الشهداء سوف يبعث من جديد .
ينظر يوسف الي الصليب الموشوم علي يمينه بتأمل و يسحب نفس عميق من سيجارته ليملأ به رئتيه ثم يخرجه ببطئ شديد .
أنت بقي اللي بيكفروني علشانك ، أنت اللي بسببك سارة ماتت ، أنت ابن الرب اللي اتصلبت علشان الناس تعييش في سلام ، قال ضحيت بنفسك علشان البشرية قال ، أنت فين أصلا !!
هل الرب مش فاضي لشعبه فبعتلنا ابنه اللي هو أصلا مكبر دماغه !!
اه مكبر دماغه ، زعلت اوي ؟؟ مدافعتش عننا لييه ؟ مستني ايه يحصل علشان تتحرك !!
أنت سايبني أكلم نفسي و مش بترد لييه !
رد عليه أنت ايه أهميتك أصلا في الحياة ؟؟

تمر الأيام دون جديد اعتصامات و مسيرات ، وقفات منددة للتعامل الوحشي مع الأقباط في فاجعة ماسبيرو ، خطابات فقدت مفعولها من كثرة ما ألقت علي أسماعنا من عينة " مصر للجميع " و " كلنا أخوة ، كلنا مصريين " و ما شابه ذلك و المجلس الحاكم للبلاد مصر علي شعار "الجيش حمي الثورة" التي أصبحت كالنكتة البايخة .
كالعادة و بدون أي مبررات تذكر تهجم قوات الأمن علي أهالي الشهداء المعتصمين بميدان التحرير لفض اعتصامهم بحجة "زرع الصينية " التي بوسط الميدان و تتطور الأحداث الي مليونية تتعامل معها القوات الأمنية بوحشية تامة .
ايه ده !! ده الواد مصطفي ، ايه اللي وداه التحرير ؟ ده مش بيتحرك لييه !!
أحاول أكلمه علي تليفونه ، مش بيرد !!
شكله ميت ، ايه ده !1 دول بيضربوا فيه الكلاب و هو ميت ، مصطفي لاء . الكلاب يسحلوه علي صندوق الزبالة ، ده بني اّدم يا ولاد الكلب !!
ده مصطفي صاحبي ، استحالة يكون يستاهل الموتة دي ، مصطفي يستاهل أحسن من كده بكتير ، ده عمره في حياته ما أذي حد ، ده صاحبي !!
و يسقط يوسف مغشيا عليه ، ما الذي يربطه بهذه البلاد ؟ لقد فقد فيها حبيبته و رفيق عمره و السبب مجهول ، ربما كون سارة مسيحية جريمة تستحق القتل ؟ و لكن هل مصطفي أيضا مسيحي ليموت بهذه الطريقة ؟ انها السياسة ، انها لعبة المصالح حين تتلاشي قيمة الانسان أمام أشياء من المفترض أن تكون فانية ، أعظم ما خلق الرب يلقي علي أكوام القمامة ، هذه هي العولمة و النظام العالمي الجديد .
سارة كانت صح ، ايوه سارة كان عندها حق ، مصطفي اختار يبقي المسيح ، مصطفي كان ايه اللي ناقصه علشان يمشي في مظاهرات و يعتصم في الميادين ، كان ناقصه يبقي انسان و مصطفي اختار يبقي انسان و أنا !! انا ايه ؟
مش هستني لحد ما أموت أنا مسافر و مش راجع تاني ، خليها تولع بكل اللي فيها ، أنا كده خلاص .

عاجل: نظرا للأحداث الجارية في البلاد فقد تم الغاء جميع رحلات الطيران المتجهة مباشرة من مصر الي الولايات المتحدة الأمريكية و طالبت الخراجية الأمريكية مواطنيها المقيمين بمصر بسرعة مغادرة البلاد .

بعد سماع هذا البيان ، استسلم يوسف لرغبته الجامحة للهجرة بدون عودة و أخذ الخوف يدفعه للبحث عن جواز سفره الأمريكي بطريقة هيستيرية ، صحيح أنه لم يسافر أمريكا من قبل و لكنه ولد في نيويورك حينمت كان يعمل والده في احدي المنظمات الحقوقية العالمية اّن ذاك .
و بعد مكالمة طويلة مع السفارة الامريكية ، علم يوسف أن السبيل الوحيد للسفر لامريكا هو السفر لجدة في المملكة العربية السعودية و منها سوف يستقل طائرة مباشرة الي نيويورك و فعلا حجز تذكرة علي الطائرة المغادرة لجدة مساء هذا اليوم من مطار برج العرب الدولي و أخذ يحزم ما يقع نظره عليه من أمتعة و عواصف الذكريات تضرب برأسه ، يتذكر عيون سارة الساحرة ، الحماس المسيطر علي مصطفي حين يتحدث عن الثورة ، كوب سارة الذي وجده أمام الكنيسة ، وعودهما بالحياة الطويلة و السعادة الأبدية ، بعد الانتهاء من حزم الأمتعة ، ينظر يوسف الي ساعته فيوقن انه لا يملك ما يكفي من الوقت فيهرع الي سيارته و هو يصب لعناته علي كل شئ ، يلعن الحظ و القدر و المصير و الظروف و السياسة ة الغباءو الحياة بكل ما فيها من مسرات .

علي متن الطائرة المتجهة لجدة يجلس يوسف في ذهول تام مما حدث ، في أقل من ست ساعات يغادر يجد يوسف نفسه مغادرا الاسكندرية بلا عودة و يستسلم لنوم عميق يستيقظ منه عندما يعلن قائد الطائرة ضرورة ربط الأحزمة لانهم سوف يهبطون الان بمطار جدة .
وسط حشد من الرجال ذو العباءات البيضاء و النساء المحجات ذات العباءات السوداء يصعد يوسف للطائرة المتجهة لنيويورك و أخذ يفكر مليا بعد أن استقر في مقعده .
هو أنا اللي عملته ده صح و لا غلط ؟ أمريكا بلد الحرية و الديمقراطية .
لا الحلم الأمريكي ده كذبة صنعتها هوليوود . و لو !!
علي الأقل في أمريكا مفيش حاجة هتفكرني بسارة و لا بمصطفي .
أنا بيفكرني بسارة و مصطفي .
يخرج يوسف من شبكة أفكاره المتداخلة علي صوت طفلة صغيرة ترتدي عباءة سوداء و تلف ايشارب حول رأسها و كأنه حجاب : قول يا رب أدخل الجنة و أشرب المياه دي و ربنا هيقبل علي طول .
فينظر لها يوسف مبتسما و يهم بالاعتذار عن قبول دعوتها و هو يشعر بالاحراج : شكرا بس مش هينفع أنا مش ، فيقاطعه والد الطفلة مش مهم ، المهم انك بني ادم و ربنا واحد و هو اللي خلق الكل .
عاجل : أنباء عن فقد الاتصال مع الطائرة التابعو للخطوط الجوية الامريكية المتجهة من جدة لنيويورك .
عاجل : تم تفجير الطائرة المتجهة من جدة لنيويورك بعد فقد الاتصال بها لمدة ساعتين و لم تعلن أي جهة مسئوليتها عن الحادث .
عاجل : تعلن جماعة تنظيم القاعدة بالخليج العربي مسئوليتها عن تفجير الطائرة المذكورة و ذلك ردا علي الانتهاكات التي تقوم بها القوات الأمريكية ضد المسلمين في العراق و الأفغانستان .




                                                  تمت 

سلم التطرف 1

السابعة صباحا ، ميعاد الاستيقاظ الاعتيادي ليوسف ، صوت المنبه يعلو تدريجيا ، أعتدل يوسف و اطفأ المنبه ثم أسند ظهره الي الوسادة و أخذت أصابعه تتحسس دون وعي مكان علبة السجائر الملقاة في مكان ما علي التسريحة الملاصقة للسرير ، انه اليوم في أمس الحاجة لدفعة كبيرة من الدخان لتملأ رئتيه و تغطي علي ضبابية مستقبله و لكن أصابعه لامست شئ مجهول بالنسبة له مما جعله يفتح عينيه في كسل شديد ليري ما هذا الشئ ، انه خاتم خطوبته الذي تعهد أمام سارة أنه لن يخلعه من أصبعه مهما صار في هذا العالم و لكنه خلعه !
هذا ليس وقته في كل الأحوال .
أشعل يوسف سيجارة و قفز من سريره الي الطاولة المقابلة حيث تقبع رفيقة حياته زجاجة الفودكا فملأ كأسه ثم ذهب للتلفاز ليري الأخبار كعادته كل صباح قبل الاتجاه لعمله في احدي المستشفيات الخاصة بالاسكندرية .
وسط الظلام الدامس ينير ضوء التلفاز و يتنقل يوسف بين قنوات الأخبار .
يسقط يسقط حكم العسكر ، الشعب يريد تطبيق شرع الله ، تحية لجيش مصر العظيم الذي حمى الثورة، اسلامية اسلامية ، لو عايزنها سوريا هنخليها ليبيا .
لا شئ جديد الأخبار المعتادة لكل يوم ، يطفي يوسف التلفاز و يشغل اغنية بحب الرواق و يذهب ليأخذ حمامه الصباحي قبل الاتجاه لعمله .
                                                   ***************************
بعد مرور عشر دقائق علي بداية 2011 
بعد ركن السيارة صف ثان يهرع يوسف الي الكنيسة ليلحق بسارة و هي في طريقها خارج الكنيسة بعد انتهاء القداس الذي لم يلحق به كعادته .
البذلة الكلاسيكية السوداء تقيض حركته و تمنعه من الاندفاع للامام حتي ينقذ نفسه من سيل التوبيخ الذي حتما سيتلقاه و لكن اذ فجأة بقوة خفية تدفعه للخلف و تلقيه علي ظهره ، بين لحظات من انعدام التوازن الفكري من هول المفاجأة يري يوسف أعداد لا نهائية من البشر تهرع من جميع الاتجاهات في الطريق الذي كان من المفترض أن يهرع به منذ قليل و يسمع شخص يقول بأعلي صوته كأنه يريد أن يسمع السماء " ألحقوا المسلمين فجروا الكنيسة " .
يتذكر سارة و يجري بين الاّلاف المحتشدين و يصارع الي أن يصل لباب الكنيسة فيري صورة يسوع الذي بشر بالسلام غارقة بالدماء .
هل صلب المسيح ثانية ؟ هل كتب علي رسالة ابن الرب التي تبشر بالحب و السلام للعالم أن يضرب بها عرض الحائط علي مر العصور ؟
" زي ما فجروا الكنيسة هنفجر الجامع و دم بدم "
و بين كل هذا الصخب يبحث يوسف عن سارة بين الأشلاء المنتشرة علي الأسفلت و بين الحين و الأخر يتعثر في قدم أو يد  أحد المصلين أو بمعني أصح الذين كانوا مصلين من ربع ساعة تقريبا .
ها هو كوب سارة الذي أخبرته أنها سوف تكسره بعد القداس لتبدأ عامها الجديد بكوب جديد و أمال جديدة و أهداف جديدة .
أين سارة ؟ سؤال يستحق الاجابة و الاجابة عند والدتها التي يحاول المسعفون عبثا انقاذ حياتها و لكن سرعان ما فارقت الحياة من هول الواقعة .
الكوب هو الشئ الوحيد المتبقي من سارة ، سارة في كل مكان ، سارة عبارة عن الدم الذي غطي جدران الكنيسة ، سارة عبارة عن الأشلاء التي تعثر بها منذ قليل ، حتي نظرة الوداع قد حرمه القدر منها .
سارة الوجه المبتسم باستمرار أصبحت لاشئ .
هي سارة راحت الكنيسة ليه !! ايه اللي وداها هناك ؟
البذلة الكلاسيكية السوداء أصبحت ملطخة بالدماء ، نظر يوسف الي دماء البشر حوله ثم جري الي سيارته و ركنها عند  منزله بعد قيادة هيستيرية كادت أن تودي بحياته عدة مرات .
مصعد العمارة معطل كالعادة ، صعد علي الدرج مهرولا الي شقته دون أدني احساس بالمسافة ثم أتجه مباشرة الي غرفة نومه و سقط في نوم عميق .
يوم ، اثنان ، ثلاثة ، الزمن لا يهم 
جرس الهاتف يرن بطريقة هيستيرية ، الدقات لا تنقطع علي الباب ، مئات الرسائل الاليكترونية ، لما كل هذا الصخب !!
انه الثالث من يناير ، يتدفق سيل الذكريات علي رأس يوسف الصدفة التي جمعته بسارة ، عينيها الحالمتين الساحرتين ، بالرغم من ما بها من اصرار لبلوغ ما وراء المستحيل ، ينظر الي زجاجة الفودكا و يهم الي ملأ كأسه و لكن سيل الذكريات يمنعه من ذلك و يتذكر اعتراضها الدائم علي ما كانت تسميه ادمان الخمور ثم تعصف به الذكريات في دوامة الحنين للماضي الي ان تتوقف به عند نبرة صوتها الواثقة و هي تقول " قدامك حل من اثنين ملهمش ثالث، أما تتصلب زي المسيح في عز شبابك أو تعيش زي يهوذا ، فكر و اختار "
يملأ يوسف كأسه مبعدا كل الذكريات عن رأسه ، ما حصل حصل فليفكر في المستقبل و لينزع ذلك الخاتم من يده و ينزع معه سارة من عقله و قلبه و يشعل سيجارته و اذ تقع عينيه من بين سحابات الدخان الصاعدة الي السماء محطمة كل أحلامه و أماله صورة العذراء مريم .
هكلكمك بصراحة بقي علشان انا اتخنقت يا أم النور يا حنينة علي الغلابة ، ياللي بتباركي شعبك و بتطلعي في السما تطمنيهم ، أنا عمري ما صدقتك و شوية الحب اللي كانوا في قلبي ليكي راحوا مع سارة ، أنا بكرهك ، ايوه بكرهك ، تقدري تقوليلي محميتيش سارة لييه ! ليه حرمتيني منها ! دي كانت بتحبك و علي طول بتولعلك شمع ، أنتي كنتي نور حياتها ، ايه الذنب اللي هي عملته علشان تموت بالطريقة دي ؟ أنتي كنتي فين ؟ سبتي اللي نصروا ابنك يموتوا لييه ؟ و لا أنتي متقدريش تحميهم ، أقولك كنتي من باب أولي حميتي ابنك بدل ما تحمي سارة . انتي بتضحكي يه ؟؟ مبسوطة أن سارة ماتت ! مطمنة أنك في أمان ! 
أصلا انتي ايه لازمتك في العالم ، امشي من قدامي بقي مش عايز اشوفك تاني ، يلا امشي بره بقي .
و يقذف صورة العذراء بكأس الفودكا فتسقط الصورة علي الأرض غارقة في بالخمر و لكنها تظل مبتسمة و محافظة علي ملامح الطمأنية الي أن تشعر بالذعر و تبدأ بالبكاء و تتساقط من عينيها قطرات الدموع دما .
قرر يوسف الخروج من عزلته و الذهاب الي المستشفي لتقديم الاستقالة . قابل الشمس بوجه لم يذق طعم النور لاسبوع تقريبا و تفوح منه مزيج من الروائح المختلفة ، رائحة السجائر ممتزجة مع رائحة العرق ، و لكن رائحة الخمر التي تفوح من فمه تغطي علي كل تلك الروائح النتنة المنبعثة منه لدرجة ان المار في الشارع علي بعد مائة متر يستطيع تمييز رائحة الفودكا المنبعثة منه .
لأول مرة يري العاملين بالمستشفي يوسف بهذه الحالة الرثة لطالما تعودوا عليه بذقنه الحليق يوميا و برفانه المميز و ملابسه المهندمة و ابتسامته الودودة التي يسلم بها علي كل من يقابله في طريقه الي غرفته .
اذا به اليوم يهرع الي مكتب مدير المستشفي شخصيا دون سابق انذار و يستعثر علي الدرج و يجد من يساعده علي النهوض ثانيا الي أن وصل الي مكتب المدير فضرب الباب بقدمه غير عابئ بكلام السكرتيرة و أقتحم اجتماع المدير برؤساء الأقسام مرددا جملة واحدة "أنا عايز أسيب الشغل " .
يحاول المدير السيطرة علي الأجواء بابتسامة مصطنعو منه و يطلب من يوسف الجلوس و لكن يوسف يرفض بامتعاض و يكرر "عايز أسيب الشغل "
اذا بالمدير يطلب من الحاضرين الانصراف و يأمر السكرتيرة باغلاق باب مكتبه و تركهم بمفردهم ثم يتوجه بالحديث الي يوسف متوددا 
" أنا مقدر كويس اللي أنت بتمر بيه و أنت أكيد عارف كويس أني بعتبرك ابني ، بس ده مش مبرر أبدا أنك تقتحم مكتبي سكران و في الحالة دي ، يا أخي خاف علي منظرك قدام زمايلك ، الممرضات أو حتي المرضي بتوعك ، يقاطعه يوسف " أنا عايز أسيب الشغل "
هعملك اللي انت ععايزه بس دلوقتي تروح البيت و تفضل قاعد لحد ما اعصابك تهدي و أنا هعتمدلك اجازة 6 شهور و أطمن مكانك هيفضل موجود "
ثم يصحبه الباب المكتب و يعود يوسف الي منزله لينام و يستسقظ ليدخن و يشرب ثم يسقط صريعا للذكريات .
يوم كباقي الأيم ، أستيقظ يوسف من نومه ليجد الزجاجة التي بجانب السرير فارغة فأضطر للنهوض متكاسلا لاحضار أخري من المطبخ و اذا به يمر من أمام التلفاز و يدفعه شئ داخلي للتوقف و تشغيل التلفاز لمعرفة ما هي اخر التطورات كما كان يفعل في زمان 
أنقضي .
عاجل : مئات الالاف من المتظاهرين يصلون لميدان التحرير مطالبون باسقاط النظام .
عاجل: اصابات طفيفة بين المتظاهرين أثر مواجهات بين المتظاهرين و قوات الأمن .
عاجل : استطاعت القوات الأمنية السيطرة علي بعض الخارجين علي  القانون المسئولين عن أعمال الشغب في ميدان التحرير .
عاجل : ألقت القوات الأمنية الفبض علي جاسوس اسرائيلي مندس في ميدان التحرير .
عاجل : كل من في التحرير من أصحاب الأجندات الخارجية .
نقلا عن التليفزيون المصري :
                                    ما يحدث في ميدان التحرير عبارة عن طبل و زمر و أعمال شغب و خمور و مخدرات و علاقات جنسية كاملة بين الشباب و الشابات .

هل هذا تأثير الفودكا ؟ هل أسرفت في الشراب الي هذا الحد ! يحدث يوسف نفسه في ذهول تام الي ان وصل لسريره و استغرق في نوم عميق .
الهاتف يرن ، أخيرا لقد صمت لأعود الي نومي ، انه يرن ثانية ، صوت هذا الهاتف اللعين لن يتوقف في هذا اليوم الأسود 
" الشعب يريد اسقاط الرئيس" ، "يسقط يسقط حسني مبارك" .
  • الو ، مين معايا ؟
  • أنا مصطفي يا يوسف ، يلا أنزل أنا مستنيك 
  • مصطفي ! أنا مش سامعك كويس ، أنت فين يا ابني ؟
  • أنا تحت بيتك ، في المظاهرة اللي تحت بيتك يلا أنزل 
  • مظاهرة ؟ مظاهرة ايه ، أنا سامع دوشة تحت البيت بس مش عارف في ايه !
  • يا عم أنت سكران عالصبح ، يلا أنزل 
  • أنسي ، أنا أصلا مش فاكر امته اخر مرة نزلت الشارع .
  • اه ، طيب ، بص أعمل حسابك أني هعدي عليك بالليل .
  • خلاص ماشي ، يلا سلام .
  • سلام .

ما الذي يحدث ؟ منذ متي و مصطفي رفيق الكأس يفقه شئ بالسياسة بل و يسير بالمظاهرات ؟ علاقتي بمصطفي امتدت لأكثر من عشرة أعوام ، أعرف كل تفصيلة من تفاصيل حياته ، اهتماماته دائما تنحصر في معاشرة الخادمات و البائعات و شرب الويسكي الذي طالما كرهته و تدخين السجائر الكوبية . 
أذكر تلك المرة حينما كنا بالجامعة و ضبطه والده يعاشر زوجة البواب في منزل العائلة و طرده من البيت و جاء ليسكن معي بضعة أيام حتي يجد طريقة ليعود بها للمنزل ثانية و أذكر أيضا أن ما عكر صفوه أن زوجة البواب كانت "مرة لوز العنب" علي خد تعبيره و أنه قد دفع لها نصف مصروفه الشهري و لكن دون جدوي .
مصطفي بقي سياسي و أنا هفضل قاعد هنا مع حبيبة قلبي . 
أشربك منين يا قطة ؟؟
طرقات متواصلة علي الباب و صوت ينادي " أفتح يا يوسف أنا عارف أنك جوه ، أفتح بدل ما أكسر الباب و ننزل ندور علي نجار " و بين الطرقات المستمرة و الصيحات المتكررة يفتح يوسف الباب ليجد مصطفي أمامه و هناك ضمادة أعلي حاجبه فيسلم عليه و يدخلان الي حجرة المعيشة 
  • ايه يا ابني الزريبة اللي أنت عايش فيها دي ، من امته و أنت بتسيب شقتك كده ! 
  • أقعد و أنت ساكت مش عايز أسمع أي كلام ، أحضرلك كاس معايا ؟
  • لا يا عم أنا بطلت و بعدين تعالي هنا ، ايه اللي أنت عملته في المستشفي ده ؟
  • استني استني بطلت ايه بالظبط ؟
  • بطلت أشرب و ايه اللي فيها ؟
  • أحه !! و ده من امته ، ده حتي رمضان كنت بتشرب فيه .
  • من أسبوع تقريبا .
  • هات سيجارة ، أسبوع و ده من ايه ؟
  • البلد فيها ثورة .
  • ههههههه ، ثورة !! ثورة ميين !!
  • أنت مش متابع و لا ايه ، مش هنسيب الميدان غير لما الرئيس يمشي .
  • خخخخخخخخخخ رئيس ميين اللي يمشي ، أنت عبيط و لا سكران و لا ظروف أهلك ايه عالمسا !!
  • طيب و رحمة سارة لييطرد طردة الكلاب .

ينظر اليه يوسف بنظرة جامدة ، طوال الفترة الماضية و هو يشرب لينسي سارة و يجئ هذا الكائن بهذه البساطة ليذكره بها .

  • أنت بتجيب سيرة سارة ليه دلوقتي ، مش أنتم اللي قتلتوها !! 
  • احنا !! احنا ميين ؟
  • المسلمين 
  • المسلمين ، أنت أهبل ما تشغل دماغ دين أمك شوية ، هو ده أول قداس يتعمل في الكنيسة ! و بعدين المسلمين هيفجروا الكنيسة ليه ! ايه مدي الاستفادة اللي هتعود عليهم ؟
  • عايز تقول ايه ؟
  • فكر شوية و فوق من السطلة اللي أنت فيها و أنت تفهم . اه علي فكرة السطلة دي مش بسبب الفودكا ، دي سطلة واحد مش قادر يواجه الواقع .
  • خخخخخخ و ايه هو الواقع بروح أمك ؟
  • الواقع أن الخنزير الكبير كلب الأمريكان هو الوحيد اللي ليه مصلحة يوقع بيننا ، فكر كويس .

و هم مصطفي بالنهوض 
  • علي فين ؟
  • علي الاعتصام ، أنا بايت هناك و علي فكرة أنا مستنيك هناك علشان هروح بكره التحرير .
  • طيب و فين الاعتصام ؟
  • عند القائد ابراهيم ، قولي أنك هتيجي ؟
  • موعدكش بس هشوف .
  • لو فعلا كنت بتحب سارة هتيجي تاخد حقها من اللي قتلوها ، خلص الكلام .

تمر الأيام بلا جديد يذكر يستيقظ يوسف من نومه ليثمل و يدخن و ينام ثانية و مرت الأيام علي هذا المنوال الي أن سمع في يوم و هو جالس مع رفيقته صخب في الشارع و الصخب يتزايد مع مرور الوقت .
هل هناك مباراة هامة للمنتخب الوطني ؟
هل توزع الحكومة الحشيش مجانا علي أفراد الشعب ؟
قرر تشغيل التلفاز بعد مخاصمة طويلة و اذا به يسمع شئ غريب جعل تأثير الفودكا يتبخر من رأسه .
" قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن السلطة و تكليف المجلس الأعلي للقوات المسلحة بادارة شئون البلاد و الله الموفق و المستعان "
ايه ده دي كانت ثورة بجد بقي !! 
ده الرئيس مشي !! 
أنا مش فاهم حاجة !! 
أعلنت النيابة العامة أن المتهم الأول في أحداث كنيسة القديسين بالاسكندرية ليلة رأس السنة هو وزير الداخلية الأسبق .
يجلس يوسف في ذهول تام و يشعل سيجارة و يشعل معها حياته من جديد . مصطفي كان صح ، مصطفي كان عنده حق ، أنا لازم أكلمه حالا !! 
و تتوالي الأيام و تتوالي معها الأحداث ، الثورة مستمرة ، المظاهرات مستمرة ، المسيرات مازالت تجوب الشوارع و الغريب في الأمر أنها تبدأ دائما سلمية و تنتهي بقتيل أو اثنين علي يد القوات الأمنية و عدد لا حصر له من الاصابات و الاعتقالات و بين كل تلك الأحداث يوسف قابع في منزله بين ضباب الدخان يرتقب الاتي و لا يأتي و يتابع كل شئ عبر شاشة التلفاز و كأنه من عالم أخر .
مع مرور الوقت يعود يوسف لحياته الطبيعية و يبدأ في الانتظام في عمله مع الحفاظ علي عزلته التامة عن الأحداث الجارية و توطيد علاقته بالفودكا بعد مواعيد العمل الرسمية .





























الأحد، 17 يونيو 2012

يوسف شاهين


مثل القوي المغنطيسية التي تجذب كل ميل للابداع فينا ، نعم انت ملاذ الحالمين من وحشية العالم الحاضر ، أنت أعظم ما في واقعي الأليم الذي لا أري بدا من الاستمرار فيه سوي لاستكمال مسيرة الفشل الأذلية التي كتب علي أن أعيشها .
هل تصدق أنك اصبحت تلعب دور البطولة في حياتي و أنا ألعب دور ثانوي صامت مهمش ؟
اصبحت كل اّمالي في الحياة أن أكمل مسيرة الأستاذ و نسيت أني بمقدوري أن أكون الأستاذ ، لا أستطيع انكار أنك مثلي الأعلي و ملهمي و أبي الفكري و أعظم ما في خيالاتي لكن لكل شئ نهاية .
ربما يجعني بك شبه و لكني لست أنت ، تلك اللحظة التي أحاول فيها الكتابة و تتساقط أفكاري صريعة امام عظمتك يجب علي أن أقول لن أعيش في جلباب أبي .
ربما هي سخرية القدر أن تصبح الأستاذ و لا تستطيع تحقيق امنيتك الوحيدة (هاملت).
أسف جدا و لكنك الماضي و لن أترحم علي أيامك و لن أتمني ان تجمعني بك صدفة ما ، ما فائدة البكاء علي ما فات ؟؟
كنت أتمني أن أملك ألة لتحريك الزمن للوراء كي أعمل معك و لكنا طالما هذا درب من الخيال ، فأنا الحاضر و المستقبل ، أنا من يملك زمام الأمور الاّن ، أنا من يملك مفتاح الخلود و لكنه يجهل كيفية استخدامه و هذا لن يدوم طويلا .
نعم انها لحظة التمرد و العصيان التي لن أكن أتخيل يوما أني سأعلنها علي حبك ، لقد كنت عظيما لتلهم الالاف لا بل الملايين و لكن أين أنا من كل ذلك ؟
كل المقارنات التي اضع نفسي ندا فيها لك  تفوز انت بها ، ربما كنت أفضل مني بمراحل عندما كنت بمثل عمري الاّن و لكن تقدمك لن يبقي طويلا ، عندما توافيني المنية و أنا في مثل عمرك سيأتي من يضعنا في موضع المقارنة و انتزع منك لقب الأستاذ .
ربما في الاخرة سيكون عندنا متسع من الوقت لنناقش هذا سويا ، أنت من جيل النكبة ، جيلك السبب في ما نعاني منه الي الان من اوجاع مزمنة من فتنة طائفية لضياع فلسطين و أنا من جيل أمن الخونة و القتلة و أضاع ثورته بيده و أصبح يحمل في رقبته حقوق شهداء الي يوم الدين .
قالوا ان المسيح قد صلب ليفدي بنفسه البشرية جمعاء حتي من صلبه و يحمي البشرية من العذاب ، فهل مازال أحد في هذا العالم البغيض يصدق هذه الأكذوبة ، أين نتيجة صليب الفداء ؟ لازم طوفان .
ده أنتي هتبقي شكاليته في بلدنا يا بت ، جميلة اوي بوحريد ، الافكار ليها اجنحة محدش يقدر يمنعها توصل للناس ، طب خد عينيا و شوفوا بيها هتلاقيه جواك جميل هتلاقيه اجمل و اجمل طول ما حبك ليه دليل ، هنروح يا حلوة ع اسكندرية ، هاملت ، اسكندر .
خلاص خلصنا !!
للاسف لقد نفذ رصيدك من فضلك ارقد بسلام و اتفرج علي اللي هاعمله و اتحسر علي ايامك و اتمني ترجع تاني علشان تنافسني .
                                                                                                       وداعا أيها الأستاذ